وقد تحدث الشيخ بعموم هذه القاعدة دون تقييد بأي أمرٍ من الأمور. وهذا هو ما نأخذه عليه إذ هناك تقييد لهذا التعميم، كما سنبيّن. وليس من الحكمة أن يتحدث عالم عن أمر بعمومه بهذا الشكل المُطنب، في محاضراتٍ وأشرطة كثيرة، ثم لا يُقيّد ذلك إلا بإجابة عن سؤالٍ هنا أو هناك.
- حين نتحدث عن أمر تكفير من ظهر منه شرك أكبر، فإنه يجب أن نفرق بين أمور ثلاث، نفصلها فيما يلي:
أولها أنّ هناك أطراف ثلاثة في هذه المعادلة، "أ" فاعل الشرك الواقع فيه، ثم من رأى هذا الفاعل يفعل فعلته، وهو بين اثنين، أحدهما "ب" من قرر أن هذا الفاعل بعينه وشحمه ولحمه مشرك شركاً أكبر ناقل عن الملة برؤيته يفعل هذا الفعل لا غير. ثم ثانيهما "جـ"، وهو من وقف في تكفير هذا الفاعل. ومذهب الشيخ الحازميّ كما نفهمه من عموم حديثه، أنّ الثاني "ب" يعتبر أنّ الثالث "جـ" كافرٌ مشركٌ ملحقٌ بالأول "أ". وهو ما نراه ليس على إطلاقه هنا. بل له مُقيدات كان الأولى أن يقررها الشيخ في حينها، وهي موضع حديثه في آنه، لخطورة عدم بيانها عند وقت الحاجة.
- ثانيها، أن ثالثهم هذا "جـ"، الذي يكفّره الشيخ الحازميّ، له حالات ثلاث، الحالة الأولى، أن يقصد أن المشركين ممن ثبت شركهم كاليهود والنصارى، أو من دعا صاحب قبر أو وليّ دعاء عبادة و مسألة - لا من دعا الله عند القبر - الأصل عذرهم، فهذا كافرٌ مشرك لا خلاف فيه. والحالة الثانية، أنه يتوقف في فاعل الفعل، لعدم تبيّن حاله خاصة، وهو من مسائل المناطات، فيقول لا أدرى حال هؤلاء، أهم ممن يسأل صاحب القبر أو ممن يسأل عند القبر، فالأول كافرٌ باتفاق، والثاني صاحب بدعة، كما قرر ابن باز في فتواه، قال "أما أن يطاف بقبره، أو يدعى من دون الله، أو يستغاث من دون الله، أو يجلس عنده للصلاة أو للقراءة هذا لا، لا يجوز والجلوس عند قبره للصلاة عنده أو القراءة عنده بدعة، فإذا كان يصلي له كان كفر أكبر، فإن صلى لله أو قرأ لله يطلب الثواب من الله ولكن يرى أن القبور محل جلوس عندها لهذه العبادات صار بدعة" [(9)]. وفي هذه الحالة، يجب الاحتراز في التكفير، والتحقق من المسألة في الأعيان.
- وثالثها، أن يرى أنّ انتشار الجهل بين عوام المسلمين جعل بعض هذه الصور يختلط بعضه ببعض، فرأي أن أصل المسألة هو كفر فاعل هذا الفعل الشركيّ، لكن يجب الاحتراز نتيجة هذا الجهل المستشرى، وعدم الحكم بالكفر المبيح للدم على الفور، بل يقول: نعم حاله حال كفر ويجب البيان له وإقامة الحجة عليه، ثم استتابته، فإن تاب وإلا قتل ردة. وهذا قول بن تيمية. قال رحمه الله "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجماهير أئمة الإسلام" [(10)]
وقال "والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، و إما مخطيء ضال، و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها" [(11)]. ومربط الفرس في قوله " إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها".
- نودّ أن نذكر القارئ الكريم أنّه لا خلاف في الأصل الذي يقوم عليه دين الحنيفية مما نتحاور فيه، فقد قال تعالى "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ"آل عمران 19، وقال "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينً?ا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" آل عمران 85. ودين الإسلام يقوم على التوحيد، ربوبية وألوهية، لا يعنى أحدهما عن الآخر. وأن الأنبياء قد جاءوا بتوحيد العبادة، وأنّ "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ? وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"الأنفال 39. وأنّ كلمة التوحيد هي عنوانه لا حقيقته، إثباتاً ونفياً، وهي حقيقة الإيمان بالله والكفر بالطاغةت. وأنه على من جاء بها أن يعرفها حق المعرفة، ويصدّق بها ويلتزمها ظاهراً وباطنا، التزام طاعة وقبول. وأن توحيد الطاعة يكون بالتزام التحاكم له تشريعاً، "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا "الأنعام 144، "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُو?لَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"المائدة 44، وولاءً "قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّ?ا"الأنعام 14، "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"المائدة 51، ونسكاً وشعائراً لا تُصرف إلا له سبحانه "لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ "الرعد 14، "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا? مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ"الأحقاف 5.