• وقفة لازمة:
ولي ملاحظة في هذه الموضع، هو إنني حين كتبت في موضوع العذر بالجهل قبل خمسة وثلاثين عاماً، وقررت فيه ما قرر الشيخ الحازميّ في هذين الشريطين، فقد قصدت به كفر كلّ من لم يترك عبادة الطاغوت، وكنت أقصد بالذات طاغوت القصور مع طاغوت القبور، إذ انتشر وقتها، ولا يزال إلى وقتنا، من يفرّق بين الكفرين، فيحصر حديثه على من دعا أهل القبور، وينسى أو يتناسى من شرّع ورضى بتحكيم غير شرع الله أو والى الصهيو-صليبية، وأقام لها قواعدا تنطلق منها لقتل المسلمين في نواحى الأرض، وتفرض سيطرتها العسكرية على أراضيهم، بل ولبس الصليب في عنقه، وتحالف مع السيسي الكافر المُتحالف مع تواضرس، وأول من اعترف وموّل انقلابه الشركيّ الذي قتل المُصلين الركّع السجود، وهو ما لم يعتبره الحازميّ، فهل يعتبر الشيخ الحازميّ هؤلاء كفاراً يحلّ قتلهم وحرقهم أطفالاً وشيوخا ونساءً في المساجد، بل ومن شرّع منع الجهاد في سبيل الله، وعاقب عليه، وسجن واعتقل وقتل من المسلمين الموحّدين، لا لأنهم سرقوا ونهبوا، بل لأنهم قاموا في وجه سلطان يفعل ما يفعل من هذه الشركيات الظاهرة التي هي في أصل التوحيد، ولبّ الكفر بالطاغوت، وما لا حصر له من الأفعال! فهل استثنى الشيخ الحازميّ هذا الصنف من الكفر، وهل يلجأ، في هذا اللون من الكفر الصراح، إلى التأويل والتحليل، بل والتضليل، ليُخرج أمثال هذه الأفعال من دائرة التوحيد، ويقصرها على عباد القبور؟ حينها نردّ عليه بكلّ ما ذكر في الكفر بالطاغوت، ومخالفة ملة إبراهيم، إلا إن ادعى أن من ملة إبراهيم ما يفعل هؤلاء من كفر حكمٍ وولاء، وبما نقل هو بنفسه عن القرطبيّ في عدم مخالفة ظواهر الآيات في مخالفة ما ثبت في القرآن بقول "كفرٌ دون كفر"، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه. ولعلنا نسمع منه في هذا الأمر. وقد كتبنا في هذا اللون من الكفر في مواضع عدة منها ردّنا على المدخلي المبتدع، بالتفصيل، فليرجع اليها من أراد. ثم نتابع حديثنا عن عباد القبور، ونترك، إلى حين، عُباد المناصب والقصور.
- ما أورد الشيخ الحازمي أعلاه، في الفقرة الثانية، فليس لنا عليه اعتراض، إذ قد أثبتنا هذا الأمر من قبل أربعين عاماً وأثبتها علماء أهل السنة والجماعة على مدى تاريخ الإسلام منذ قرون، وإن كنا نتحفّظ على ما يظهر من مساواة الجهل والتأويل في هذا الباب بإطلاق. كما نتحفظ في إطلاق تسمية "عباد القبور"، فمنهم من يدعو للقبر ويسأل صاحبه، ومنهم من يدعو عند القبر اعتقاداً للبركة، وقد فرق بن تيمية رحمه الله بينهما، بل فرّق حتى بين أنواع الطواف بالقبور.
- ثم بدأ الشيخ في الانحراف عن السنة، في شريطه الثالث، حين أراد أن يثبت أنّ الكفر الناقل عن الملة لا يتعلق بالفاعل فقط، بل بمن رأى له عذراً ولو مرجوحاً، في بعض الأحوال، وسوى بين الإثنين تسوية مطابقة، قال "إن حكمه حكم المشركين بمعنى إنه كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام"، كذلك "أن من قال أنّ تكفير العاذر من فعل الخوارج أو المعتزلة فهذا قول لا يقوله إلا كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام"! ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولازم قوله الأول تكفير ما لا يعلم عدده إلا الله من العلماء، بدءاً من شيخ الإسلام ابن تيمية، كما سنبيّن قوله، حتى تكفير العبد الفقير كاتب هذه السطور! والظاهر أنّ هذا الأمر عند الشيخ الحازميّ لا قيمة له، فقد وضع نفسه على ما يشبه شريط السكة الحديد، ثم انطلق يدعس بالكفر من يقف في وجهه، لا يحيد عن قضبانه، والعلم والإيمان والاسلام ومنهج أهل السنة والجماعة برئ من هذا التوجه يعلم الله، إنما يناسب هذا أحادييّ النظر من الدهماء والعامة، ولا يناسب من يظهر أنه في علمه واطلاعه.
- وقد بدأ بتقرير صحيح، في مناطه، وهو "أنه من لم يكفر المشركين، أو شكّ أو تردّد في كفرهم فهو كافر"، وهي القولة التي يعرفها الكثير من إنه "من لم يكفّر الكافر فهو كافر". ولا يخفى على أحدٍ لديه ذرة من العلم خطر هذه القاعدة على الفهم العاميّ، والتهور في استعمالها دون تقييد يُنبه الغافل ويُلجم المتهور. ثم استطرد في أنّ العلماء قاطبة أجمعوا على أن تكفير المشركين هو من أصل الدين الذي لا يصح من دونه، وأتعب نفسه هداه الله فيما هو ثابت. وهذا لا يناقضه أحدٌ يُنسب لعلمٍ، ولا يحتاج لهذا الإطناب. وجاء بتفسير العديد من الآيات التي تثبت كفر الكفار عامة، وهو ليس من محل النزاع.