ثم الأضحوكة التي تبين منها أن هذا الناشر متحيزٌ لا يؤخذ منه رأي علميّ، قوله "الدولة عندها علماء ترجع إليهم وتستفتيهم، وهي ترجع إلى أقوال أهل العلم من السلف والخلف كما رأينا في إصداراتهم، وهذا لم يكن في الخوارج" فإن الخوارج كان لهم علماء، وكانوا أعلم من هؤلاء الذين ينسبهم تنظيم العوّادية للعلم، فوالله ما زلنا نطلب ونسأل عن علمائهم دون أن نعرف منهم واحداً معتبراً في اوساط أهل العلم.
ثم يعود الرجل إلى الأوصاف الجسدية، كما بيّنا خطأ ذلك "وجنود الدولة ليسوا حليقي الرؤوس، وهذه صفة بارزة في الخوارج" وهي سذاجة مخجلة. ثم يقول "والدولة لا تفسّر القرآن وفق هواها بل ترجع إلى كتب التفسير المعتبرة، والدولة لم تخرج على إمام حق - وأين هو في زماننا هذا - بل خرجت على الرافضة والنصيرية في العراق والشام، والدولة لا يُؤمن جنودها بأصول الخوارج: من تكفير مرتكب الكبيرة، وتكفير علي ومعاوية وعمرو بن العاص وأهل التحكيم وأهل صفّين، ولا تقول بخلق القرآن، ولا تنفي السنّة الصحيحة، ولا تنكر الشفاعة، ولا تعطّل الصفات، ولا تقول بتعذيب أهل الكبائر تعذيباً دائماً في الآخرة، ولا تقول بعدم حجّيّة خبر الآحاد، ولا تقول بجواز الإمامة العظمى في غير قريش، ولم تقل بوجوب الخروج على الإمام الجائر، بل قالت بوجب الخروج على الحاكم الكافر - المُشرّع بغير شرع الله، الموالي لأعداء الله - وهذا هو مذهب أهل السنة، ولا تُنكر الشفاعة لأهل الكبائر، ولا تُنكر عذاب القبر، ولم تكفّر عموم المسلمين كما يدّعي البعض، بل تكفّر قلّة قليلة من أعيانهم لاجتهادات قد نوافقهم أو نخالفهم عليها، وجنود الدولة يُصلّون خلف المسلمين من غير جماعتهم، ويعاملون عوام المسلمين من غير جماعتهم معاملة حسنة، فبأي شيء يصيرون خوارج وهم لا يتّفقون مع الخوارج في الأصول المتفق عليها بينهم ولا في الفروع ولا في الوصف." قلنا، قد رددنا على هذا من قبل، من أنهم يتفقون مع الحرورية في الأصل الكليّ العام الذي هو " كل من كفّر المسلمين بما ليس بمكفر عند أهل السنة بإطلاق، ثم خرج يقاتلهم واستحل دماءهم بناءً على ذلك التكفير"، أما كل ما ذكره غير ذلك فقد تباينت فيه فرق الخوارج بين بعضها البعض، منهم من قال بها أو ببعضها، ومنهم من أنكر بعضها. وهي كلها صفات حادثة بعد الحرورية الأوَل، الذين أسسوا المذهب على الأصل الذي قلنا، وهو تكفير عليّ ومعاوية ومن معهم، ثم استحلال دمهم على ذلك، لا أكثر ولا أقل. أما إنكار الشفاعة وعذاب القبر وأحاديث الآحاد، فهي كلها حادثة لا تدخل في الحدّ الأدنى الذي ذكره الناشر، ثم تنكر له.
ثم قال: "إن القول بأن "الدولة الإسلامية" خارجية، ووصف جنودها بأنهم "كلاب أهل النار" مجازفة كبيرة لا يأمن صاحبها أن يكون ممن كذب على النبي صلى الله عليه وسلم "متعمداً" أن زعم بأن أمثال هؤلاء هم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه، فإنزال النصوص على واقعنا يحتاج إلى علم بهذه النصوص، ويحتاج إلى علم بطريقة الجمع بينها بشكل علمي، ويحتاج إلى معرفة الواقع معرفة حقيقية، ويحتاج إلى تجرّد للحق، وقد تتبعت من أنزل هذه الأحاديث على "الدولة" فوجدت أكثرهم ليسوا من أهل العلم، ومن كان منهم من أهل العلم: إما أن يكونوا من علماء السلطان، وهم الغالبية، وإما أنهم لم يجمعوا بين النصوص، ومن جمع منهم لم يعرف حال "الدولة الإسلامية" معرفة حقيقية لأنه يسمع من طرف واحد، وإن وُجد من عرف فإنه لا يحكم بتجرّد، وإنما الحكم في الغالب سياسي أو حزبي وليس شرعي، أو يكون الحكم من باب العداء أو عدم الرضى، وعين السخط تُبدي المساويا." اهـ. ووالله لقد وصف الرجل نفسه في بعض ما قال، وجاوز قدره في وضع نفسه في أوساط العلماء، بل حاكماً عليهم، بأنهم لم يفهموا فهمه، ولم يعرفوا معرفته! عجيب والله، لكنها صفة محدثة كذلك من صفات الحرورية العوّادية، من خالفهم كان إما عالما من علماء السلطان، أو جاهلاً!