أما بقية الأوصاف فكلها قرائن ترتبط بوصف قد يتحقق أو لا يتحقق، مثل حلق الرؤوس، فهو مثل إطلاق اللحية، فكل أحبار اليهود وقساوسة النصارى يطلقون لحاهم. فهذه أوصاف لا يمكن الاعتماد عليها لتحديد فرقة من الفرق إلا عند من لم يحسن صناعة الاستنباط.
كذلك ثبوت أوصاف في الحرورية العوادية، يشتركون فيها مع الرافضة، كالكذب والتقية، وهو متواتر عنهم، من رأسهم العدناني إلى أصغر جنودهم. وهذا لا يعنى أنهم رافضة، كما لا يعنى عدم حلق رؤوسهم أنهم ليسوا حرورية.
ثم اعتماده على ما كان من أوصاف للحرورية قبلا، وحديث بن تيمية وأمثاله في خوارج عصره ومن قبله، ولا مانع من ظهور خوارج أسوأ أو مثل الرافضة، كاستحلال الكذب والتقية.
ودعنا بعد هذا التمهيد ننظر فيما قرر هذا الناشر، تفصيلا، خاصة في نتيجته النهائية، التي نصر فيها تنظيم بن عوّاد!
قال "مما لا شك فيه أنها ليست جماعة خارجية لأنها لم تخرج على الخليفة الراشد عليّ رضي الله عنه في قول من قال بذلك، ولم تقاتل إماماً مسلماً حقاً كما هو قول بعض العلماء، ولا تؤمن بأصول الخوارج المتفق عليها بينهم، فتسميتها بالخارجية كدعوى النصرانية لمن لا يؤمن بعيسى عليه السلام، أو إسلام من لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا بد من الإيمان بأصول الفرقة أو الجماعة لينتمي إليها الإنسان، وهذا أمر بدهي لا يختلف عليه العقلاء .. ولا يجوز وصفها بالخارجية لأنه ظهر للبعض أنها وافقت الخوارج في بعض الأمور، فهذا ليس من التصنيف العلمي، فالنصارى يُعظّمون عيسى، واليهود يُعظّمون موسى، فهل المسلم الذي يعظمهما يكون يهودياً أو نصرانيا!! "اهـ
وهذا تضليل في النظر، إذ من العبث الحديث عن الخروج على عليّ بعد وفاته بأربعة عشر قرنا! ومن المعلوم أنّ مشكلة العصر هي عدم وجود إمام حق، وهو ما يشترك فيه مع كافة من نسب نفسه للإسلام. وقد خرج الناشر على ما ذكر من وجوب تحديد الحدّ الأدنى للانتساب للفرقة، وهو ما قررنا، فقوله "فلا بد من الإيمان بأصول الفرقة أو الجماعة لينتمي إليها الإنسان وهذا أمر بدهي لا يختلف عليه العقلاء .. ولا يجوز وصفها بالخارجية لأنه ظهر للبعض أنها وافقت الخوارج في بعض الأمور" هو محض هراء بناء على ما قرره بنفسه حيث قال في مبدأ حديثه "ولا بد أن تكون هذه الجماعة تؤمن أو تعتقد بالحد الأدنى المتفق عليه بين الخوارج، ولا يستقيم عقلاً أن تكون فرقة "خارجية" إلا أن تعتقد بهذا الحد الأدنى"، ثم لم يأت بهذا الحدّ الأدنى، بل راح يتحدث بعمومية مموّهة عن "أنها وافقت الخوارج في بعض الأمور". وهذا إن أقصينا عدم الأمانة في البحث، هو دليل ضعف في تتبع النتائج لمقدماتها.
ثم يقول "النصوص التي جاءت في الخوارج تصدّق بعضها بعض، وتشرح بعضها بعض، وتعضد بعضها بعض، ولقد رأينا ليّاً لأعناق النصوص في محاولة مستميتة لإنزالها على "الدولة الإسلامية" اليوم ما كنا نراه في شأن "قاعدة الجهاد" قبل سنوات، فهي نفس المحاولات اليائسة البائسة من أناس جهلوا خطورة عملهم، ولم يراعوا حرمة حديث نبيّهم صلى الله عليه سلم، ولو نقلنا مقالاتنا التي كانت للدفاع عن قاعدة الجهاد كما هي بطريقة القص واللصق لم نحتج إلا إلى تغيير الأسماء لإنزال هذه المقالات على الدولة الإسلامية اليوم لنفي هذه التهم"، وهذا، مرة أخرى تبسيط مخلّ للأمور، فقد يتشابه موقف الحكومات من كافة الجماعات المناوئة لها، حتى الإخوان، رافعي شعار السلمية، يمكن أن يحتجوا بهذا الذي وصف، فهو ليس بدليل خاص يلجأ اليه لنفي صفة الحرورية عن أتباع بن عوّاد. ثم إن قاعدة الجهاد، وطبعا ولا الإخوان، كانوا يقتلون المسلمين كما حدث في دير الزور والشعيطات وحلب، ولم يغتالوا من أمثال أبي خالد السوري وأبي محمد وأبي سعد الحضرمي، ومئات غيرهم، فما وجه المقارنة بقاعدة الجهاد؟