تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

د طارق عبد الحليم

15 جمادى أول 1435 - 16 مارس 2014

ملحق

الرد على بحث "بحث في الخوارج ... حسين بن محمود"

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

أرسل الينا أحد المتابعين الأحباء على تويتر رابط هذا "البحث" [(22)]، طالباً التعليق عليه. ورغم ضيق الوقت، فقد وجدت أن بعض كلمات سريعة عن هذا الخلط الوارد فيه، سيكون له أثر في تقليل أثره الضار على عامة القراء إن شاء الله.

وما نودّ أن نشير اليه أولاً، هو تحذير القارئ من مثل هذا اللون من البحث، حيث يحشد الناشر كثيراً من النقولات، عن أئمة أعلام، ثم بعدها يضع نتيجة بحثه وخلاصته، بما لا يتفق حقيقة مع ما أورد، إلا من باب الشبه أو العموم، لضعف القدرة على الاستنباط، أو للهوى المسبق حسب الحال. والقارئ العادي، عادة ما "يمسح" بعينه الصفحات التي فيها النقولات الكثيرة، ثم يخرج منها بنتيجة أنْ "ما شاء الله، لقد حشد هذا الباحث كثيراً من الأدلة التي تثبت صحة نتيجته! "، ثم يقفز إلى النتيجة فقد يقرأها كلها، أو سطور منها، فيقع في قلبه تصديقها، لما رأي من قبل من كثرة نقول وشواهد! وهذا أصل البلاء ومصدر الداء في التخبط والعمى الذي تعيشه "العوام" عادة، فليس هناك قدرة على تمييز الغث من السمين، ولا الصحيح من السقيم.

وغالب ما جاء في البحث صحيح من الناحية الأكاديمية، فالمقدمات التاريخية والقول في تكفير الخوارج من عدمه لا مشاحة فيه، فهي مجرد سرد معلومات موجودة في كتب الفقه والعقائد والحديث. لكنه آية في السذاجة وضعف النظر الفقهي والأصولي والتحيز، حين أتي الأمر إلى تحقيق مناط الحديث وإسقاط النقولات على الحوادث الواقعات. فقد بدت الظاهرية واضحة فيه، وقلة المعرفة بأصول الأشباه والنظائر وفن المقارنة بين المتشابهات والتفرقة بين المختلفات وقواعد ذلك. فالمشكلة تأتي عادة عند تحقيق المناط وتحليل السياقات، ففي هذا يتميز أهل العلم من طلابه، من مدّعيه.

وقد قرر الناشر أمراً أولاً ثم نقضه ثانيا، قال "ولا يستقيم عقلاً أن تكون فرقة "خارجية" إلا أن تعتقد بهذا الحد الأدنى"، وهو أولاً لم يحدد الحدّ الأدنى هذا في حالة الخوارج، بل ذهب يعدد ما كان من الأوصاف الخارجية لهم، كحلق الرؤوس، أو أوصاف عامة يجتمع عليها كلّ أهل البدع، مثل "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم" "قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل"، وهي صفات، على عمومها، متحققة في العوّادية بلا شك. ثم ذكر صفات نصيّة، متحققة فيهم على وجه القطع "حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، وأنهم "يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان". وهذا في غاية الظهور في العواديّة الحرورية اليوم. والحديث لم يذكر أنهم يتركون أهل الأوثان بإطلاق، فهذا فهم قاصر للنصوص. بل هو يعنى أنهم في موقف قتال، تراهم يحبذون قتل أهل الإسلام ويسبقون اليه، قبل قتل أهل الأوثان، وقد يقاتلون أهل الأوثان بعد، فليس في الحديث ما يمنع هذا بإطلاق. وهذا بالضبط ما يفعله العواديّة الحرورية، والدير شاهد على ذلك، والحوادث تواترت على تركهم فرق الرافضة والنصيرية، بل وتسهيل بعض مهامهم، لقتل أهل السنة.

والأصل الجامع بين كلّ من يصح أن يوصف بالحرورية، بعد النظر فيما جاء فيهم، وإعمال القواعد العامة وتنقيح مناطات تلك الأوصاف، هو أنهم "كل من كفّر المسلمين بما ليس بمكفر عند أهل السنة بإطلاق، ثم خرج يقاتلهم واستحل دماءهم بناءً على ذلك التكفير" وهو الحدّ الأدنى الذي اشتركت فيه فرق الخوارج، إلا من أدخل فيها بخطأ، إذ هي الصفة التي بنيت عليها أصل الفرقة الخارجة على عليّ رضى الله عنه، ليس حلق رؤوسهم ولا كثرة تعبدهم، بل ولا خروجهم على عليّ، فالخروج على إمام ليس "خروجا" بدعياً بالضرورة، كما قرر الناشر نفسه، ثم اضطرب عليه الأمر. فقد سمّوا خوارج لخروجهم على عليّ، لكن ليس هذا الفعل هو أصل الفرقة، بل هو تسمية بنتيجة أصلها. والتفرقة بين هذه الأمور عزيز إلا عند من تمهدت له أصول العلم فصارت له طبعاً، لا عند من تسوّر عليه بجمع معلومات وترتيبها.

بحث في الرد على الحازمي · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحث في الرد على الحازميص ١٣