إن تلك الآراء والأفكار الخاطئة من بقايا وآثار الجاهلية وتذكِّرنا بعهود تسلط السلاطين الجبابرة والمستبدين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكي البلاد ورقاب العباد والناس كلهم عبيد خول لهم وكان الناس في تلك الأزمنة يصدقون ذلك ويعتقدون في ملوكهم مثل ذلك الاعتقاد، كما نشاهد آثار ذلك في الكتب الدينية قبل الإسلام، أو في تلمود اليهود الذين كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وأبناء الله وأحباءه. كما نجد أثر هذه العقيدة في سفر التكوين من التوراة في الفصل العاشر: أن الملك يملك أموال الناس وأرواحهم. فهذه هي عقيدة اليهود ومن قبلهم من أصحاب الملل المنسوخة، كما ذكرنا فيما سبق نموذجاً على ذلك من تلمود اليهود.
أما الإسلام فإنه يعتبر جميع الناس عباداً لإله واحد وأبناءً لأب واحد وأم واحدة ويعتبر أن الأرض خُلِقت لعيش جميع بني آدم وقد أعلن الإسلام في أصقاع الدنيا حرية البشر بنحو كامل فلا علاقة له بمثل تلك العقائد وهو بريء منها.
وأساساً إن مثل ذلك الإدعاء يتنافى مع فلسفة بعثة الأنبياء والحكمة من إرسال الرسل ويتناقض معها لأن علة إرسال الر سل وحكمة بعثة الأنبياء هي أنه لما كان الإنسان مدنياً بطبعه وكان لابد له أن يعيش في مجتمع مع الناس، وكان من الجهة الآخرة ظلوماً جهولاً أنانياً لا يريد أن يقنع بحقه بل يسعى للاستيلاء على حق الآخرين لذا وقع النزاع والصراع بين بني البشر. من هنا جاءت أهمية القوانين والتشريعات التي تحدد لكل من الفرد والمجتمع حدوده وتعين له حقوقه وواجباته. ولما كان الإنسان مبتلى بالشهوات والأغراض والحرص والطمع والأنانية وكان فاقداً للبصيرة الكافية بعواقب الأمور ونتائجها كان ذلك كله مانعاً له من أن يتمكن وحده من وضع القوانين العادلة وتشريع نظام الحياة الأمثل لذا أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله كي يقوم الناس بالقسط وتنتظم أمور مجتمعاتهم ويستقر بينهم العدل، كما قال تعالى في سورة الحديد:
{