تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# لانطفأ جميع المعنويات، وتقطع مجموع الروابط، وتمزق كل النسب، ويتفتت هذا النظام؛ مع ان القوة المندمجة في النظام تنادي باعلى صوتها: ان ليس من شأنها الانقضاض والانحلال.

وأما البرهان الثاني: فهو ان تمثال العناية الازلية الذي هو الحكمة التامة، التي هي رعاية المصالح والحكم في كل نوع، بل في كل جزئي - بشهادة كل الفنون - يبشر بقدوم السعادة الابدية. والا لزم انكار هذه الحكم والفوائد التي اجبرتنا البداهة على الاقرار بها؛ اذ حينئذ تكون الفائدة لا فائدة.. والحكمة غير حكمة.. والمصلحة عدم مصلحة. وإن هذا الا سفسطة.

واما البرهان الثالث المفسر للثاني: فهو ان الفن يشهد ايضا ان الصانع اختار في كل شيء الطريق الاقصر، والجهة الاقرب، والصورة الأخف والأحسن. فيدل على ان لاعبثية. فيدل على انه جدي حقيقي. وماهو الا بمجئ السعادة الابدية. والا لتنزل هذا الوجود منزلة العدم الصرف. وتحول كل شيء عبثا محضا.. سبحانك ماخلقت هذا عبثا.

أما البرهان الرابع الموضح للثالث: فهو ان لا اسراف في الفطرة بشهادة الفنون. فان تقاصر ذهنك عن ادراك حكم الانسان الاكبر وهو "العالم" فأمعن النظر في العالم الاصغر وهو "الانسان". فان فن منافع الاعضاء قد شرح واثبت: ان في جسد الانسان تقريبا ستمائة عظم كل لمنفعة.. وستة آلاف عصب هي مجار للدم كل لفائدة.. ومائة واربعة وعشرين ألف مسامة وكوة للحجيرات التي تعمل في كل منها خمس قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة والمصورة والمولدة كل منها لمصلحة. واذا كان العالم الاصغر كذا فكيف يكون الانسان الاكبر انقص منه؟ واذا كان الجسد الذي لا اهمية له بالنسبة الى لبه بتلك الدرجة من عدم الاسراف فكيف يتصور اهمال جوهر الروح؟ واسراف كل آثاره من المعنويات والآمال والافكار؟ اذ لولا السعادة الابدية لتقلصت كل المعنويات وصارت اسرافا. فبالله عليك أيمكن في العقل ان يكون لك جوهرة قيمتها الدنيا، فتهتم بصدفها وغلافها حتى لاتخلي ان يصل الغبار اليه، ثم تأخذ الجوهرة فتكسرها شذرا مذرا 1 وتمحو آثارها؟ كلا ثم كلا!

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إشارات الإعجاز في مظان الإيجازص ٦٢