والرابعة:
ان فيه اشارة الى تشويق اهل الكتاب على الايمان وتأنيسهم، والتسهيل عليهم. كأنه يقول: "لايشقن عليكم الدخول في هذا السلك، اذ لاتخرجون عن قشركم بالمرة بل انما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ماهو مؤسس لديكم" اذ القرآن معدل ومكمل في الاصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة واصول الشرائع السالفة. إلا انه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير الزمان والمكان؛ فكما تتحول الادوية والالبسة في الفصول الاربعة، وطرز التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل الاحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر. فكم من حكم فرعي كان مصلحة في زمان، ودواء في وقت طفولية النوع، لايبقى مصلحة في آخر، ودواء عند شبابية النوع. ولهذا السر نسخ القرآن بعض الفروع. اي بين انقضاء اوقات تلك الفروع ودخول وقت آخر.
وفي (من قبلك) لطائف:
اعلم! انه ما من كلمة في التنزيل يأبى عنها مكانها، أو لم يرض بها، أو كان غيرها أولى به. بل مامن كلمة من التنزيل إلا وهي كدر مرصع مرصوص متماسك بروابط المناسبات؛ فان شئت مثالا تأمل في: (من قبلك) كيف ترى اللطائف المتطايرة من جوانب هذه الآية توضعت على هذه الكلمة الفذة.
فان (من قبلك) تشربت وتلونت - فترشح وترمز بخمس لطائف - المناسبات المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة في مسألة النبوة المسوقة لها هذه الآية.
اما المقاصد المندمجة فهي: ان محمدا عليه السلام نبي، وانه اكمل الانبياء، وانه خاتم الانبياء، وانه مرسل لكافة الاقوام، وان شريعته ناسخة لجميع الشرائع، وجامعة لمحاسنها.
اما وجه انعكاس المقصد الاول في تلك الكلمة، فهو:
ان "من قبلك" انما يقال اذا اتحد المسلك وكان الطريق واحدا. فكأن هذه الكلمة تترشح: بأن الحجج على نبوة من قبله وصدق كتبهم، حجة بمجموعها بتنقيح المناط 1 وتحقيق المناط بالقياس الأولى على نبوة محمد عليه السلام ونزول كتابه. فكأن جميع معجزاتهم معجزة فذة على صدق محمد عليه السلام.