(فالله تعالى يحب اليسر لكل خلقه ويريده ويأمر به، ويكره العسر لهم كما في الآية السابقة، وكما في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (النساء/28). لكن هذا المراد لا يتحقق في حق كثير من الناس الذين يشددون على أنفسهم ويثقلون عليها، مع أنهم داخلون تحت خطاب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.
(والله تعالى أراد من عباده جميعهم أن يعبدوه ويطيعوه. بمعنى أمرهم بالعبادة، وأحب لهم أن يدينوا بالطاعة له. لكن محبوب الله ومراده هذا، وأمره لهم به لم ينفذه أكثرهم! بينما لم يرد سبحانه أشياء وكرهها، لكنها واقعة رغم أن الله لم يردها. من ذلك ما جاء في قوله سبحانه: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (الأنفال/67)، فوقع مرادهم: وهو أخذ الفداء من الأسرى، دون مراد الله: وهو القتل.
(وكما في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (المائدة/6). فالحرج واقع للبعض رغم أن الله ما يريده، والتطهير لا يتحقق للكل رغم أن الله يريده لهم جميعاً. والآية خطاب لجميع الأمة. وهي تشبه تماماً (آية التطهير) من حيث أن اللفظ نفسه يتكرر في الآيتين. وهو في الإرادة الشرعية التي تتوقف على استجابة المخاطب، وليس في الإرادة الكونية القدرية التي لا بد من وقوعها.
(وبالجملة نقول: حتى يمكن حمل الآية على (العصمة) لا بد أن تكون الإرادة فيها قدرية كونية من الله. وإلا لم يمكن لإنسان أن يعصم نفسه مطلقاً من الذنوب والأخطاء، دون جعل وتقدر من الله تعالى نفسه. ولا دليل على ذلك أبداً: فبالإضافة إلى كون اللفظ أصلاً في الإرادة الشرعية؛ لوجود ما يشبهه، وليس في الإرادة القدرية، هناك قرائن ترجح كون الإرادة شرعية لا قدرية.