حتى أتيت حليلة البعل(1).
وهذا الذي أردتُ بيانه في هذه الرسالة وإلقاء الضوء عليه، تسلية لأهل الغربة، المتمسكين بتلك الأخلاق الرفيعة.. التي كادت تندرس من الوجود ، لولا أن قيّض الله لها من يحييها، ومع ذلك فإن المتمسك بها أصبح نادراً في مجتمعه، مميزاً بينهم، كلما سار في طريق رأى فيه عجباً، وكلما حلَّ بأرض وجد فيها ما يحزنه، وكلما خالط قوماً عاين تغير أحوالهم.. حتى أنه لو لم يكن يعرف تلك الأرض وأولئك القوم لاشتد لهم استنكاراً..
أنكرتها بعد أعوام مضين لها
لا الدار داراً ولا الجيران جيراناً
وإنني لأكتب ذلك نصحاً لمن وضع رجله على بداية الطريق المظلم، لعله أن يستعتب ويتَنبَّه قبل فوات الأوان وضياع الفرصة، واندراس ما تبقى من المآثر، فيعيش الصراع الأبدي في داخله، بين رغبته في العودة إلى الأصل، وبين ما أفلت زمامه فلا يستطيع السيطرة عليه، ولعله لا يكتشف تلك الحقيقة إلا بعد أن ينجلي غبار المعركة، فيقوم ليبكي زماناً اغتر فيه، عاضاً أصابع الندم بسبب تفريطه، يعاتب نفسه حتى يكاد يقتلها كمداً.. ولسان حاله يقول:
إن الزمان الذي ليلاً سعدت به
قد كاد في وضح الأحداث يبكينا
فمن أجل ذلك؛وقبل الوقوع في ما لا تحمد عقباه؛كانت هذه الكلمات.
صور من حياة أهل الجاهلية..
حقيقة ما كنا لنتصور أننا سنكون بحاجة إلى أن نستدل بأخلاق أهل الجاهلية، وقد كرمنا الله بخير دين وأفضل نبي- عليه الصلاة والسلام- ، ولكن كان هذا من أجل أن يرى المسلم ما كان عليه العرب من الغيرة، والحمية، والعفة، على الرغم من جاهليتهم وشركهم.
وبصراحة.. إن المرء إذا قرأ مثل هذه النوادر ليتمنى وجودها بين صفوف كثير من المسلمين، الذين افتقدوها تفريطاً منهم.. وفقدوا معها أهم ركائز الرجولة، فصاروا أشباه رجال.. ولا رجال.
ولعل البعض يتسائل قائلاً: ولمَ لمْ تستدل من عصر الصحابة؟.
(1) العقد الفريد(6/3).