والبلدان، فقد يُرى الهلال في بلد دون آخر ... فتحقّق اختلاف المطالع مما لا نزاع فيه" (1).
لقد اتفق الفقهاء على أنّ اختلاف مطالع الشمس معتبر شرعاً (2) في الأحكام الشرعية المتعلقة بها، وجرى العمل بمقتضى ذلك في أوقات الصلوات الخمس، والإمساك، والفطور في شهر رمضان؛ ولعل ذلك لأن الشارع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، فقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) (3). ومعلوم أنه ما من حركة تتحركها الشمس إلا وهي فجر، عند قوم، وزوال عند آخرين، وليل عند غيرهم؛ لذلك أجمع العلماء في أوقات الصلاة على أن المعتبر عند كل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم، ولا يلزمهم حكم غيرهم.
واتفق الفقهاء على أن الحاكم الأعلى المسلم إذا أصدر أمرا بثبوت رؤية الهلال، فحكم بأن الغد من رمضان أو من شوال، وكان يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع في اجتهاده، ونقل أمره هذا إلى جميع الأقطار الإسلامية الخاضعة لولايته، وجب الامتثال لأمره؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف؛ تفادياً للشقاق وتفرق كلمة الأمة، ولا عبرة عندئذ باختلاف المطالع بالإجماع؛ لأنها مسألة مجتهد فيها (4).
كما اتفق الفقهاء على أن تحقق اختلاف مطالع القمر مما لا نزاع فيه، - وقد ذكرت ذلك آنفاً- باعتباره من الظواهر الكونية المشاهدة. لكن الذي اختلفت فيه أنظار الفقهاء هو أنه هل لهذا الاختلاف في المطالع تأثير في ثبوت الأهلة والأحكام المتعلقة بها: كالصوم، والإفطار، وغير ذلك من الأحكام الشرعية؟ أم أنه لا عبرة باختلاف المطالع، بحيث إذا ثبت
(1) مجموعة رسائل ابن عابدين، (1/ 250).
(2) بحث الشيخ محمد علي السايس (ج 2، ص 939).
(3) سورة الإسراء، من آية 78.
(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (4/ 87)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/ 296)، وانظر الفقه المقارن للدكتور محمد رأفت (ص 212)، وانظر الفقه الإسلامي المقارن مع المذاهب للدكتور فتحي الدريني (ص 552، 553) بتصرف، وانظر محاضرات في الفقه المقارن للبوطي (ص 18).