ومما له علاقة بالنقطة السابقة ما يخص طبيعة الاستدلال على قضية من القضايا، فالمفترض فيمن اراد ان يستدل على قضية من القضايا مهما كان حال هذه القضية أصولية أم فرعية ان يستوعب جميع الأدلة الواردة فيها، والموضحة لحكمها لا ان ينتقي من تلك الأدلة ما يتناسب مع ميوله ويخدم اغراضه.
ولا يكتفي بهذا الجمع فقط، ولكنه عليه لزوماً ان يحقق في هذه الأدلة المجموعة ليميز المقبول منها من المرفوض، والذي يمكن ان يبنى عليه الحكم من الباطل الذي لا يستفاد منه الحكم.
هذا المنهج هو الذي ينبغي ان يتم التعامل به مع الأدلة، وهو الذي جعل منه العلماء علامة لتمييز أصحاب الحق من أهل الاهواء، واصحاب البدع فطلاب الحق ومريدوه إذا ارادوا البحث في قضية اتوا بكل الأدلة الواردة فيها من دون استثناء، ثم بعد ذلك يقومون بمعالجتها وفق المعطيات المتبعة التي لا دخل للميول فيها للوصول إلى المطلوب.
اما أصحاب الاهواء والبدع فلا يوجد عندهم هذا المنهج، بل هم يأخذون ما ينفعهم فقط ويتركون ما لا ينفعهم، وهو المتحقق عند الشيعة على اكمل صورة واتم وجه، فما من قضية من القضايا التي يعتمدونها الا وتجد الأدلة التي يبنون عليها اعتمادهم هذا أدلة منتقاة محصورة في عنوان تحقيق الفائدة لهم والخدمة لمعتقدهم، اما ما يخالف توجههم والذي قد ينقضه ويبطله فلا يذكرونه مطلقاً وكأنه لا وجود له متحقق في الخارج وعلى الساحة، وادلتهم في الإمامة خير دليل على هذا التوجه.
اربعة عشر:
ان الشيعة كما ذكرنا في هذا البحث نظروا لمعتقداتهم واصلوها ثم بعد ذلك اخذوا يبحثون عن الأدلة والبراهين المؤدية إلى توجيه واثبات تنظيرهم، وهذا الأمر اوقعهم في اشكال كبير، الا وهو عدم كفاية الأدلة لاستيعاب جميع المفاصل التي نظروها لفكرهم مما ادى بهم إلى التوجه إلى الغير بقصد الاستفادة منه في بعض الأدلة السادة لثغر من الثغور، والردامة لحفرة من الحفر وما اكثرها.