أما على مستوى الشعوب والأمم,فإن كل الروابط التاريخية والجغرافية والثقافية قد تكون غير كافية عندما يقع غبن حقيقي أو استغلال مكشوف لمنع نشوب حرب أهلية,أو تفكك دولة أو قبيلة؛وكلنا يذكر الحرب الأهلية التي وقعت بين بنغلادش و الباكستان حيث انتهت بتمزق الدولة الواحدة إلى دولتين,بعد أن شعر البنغلاديشيون بنوع من الغبن الاقتصادي والإداري0
المفاهيم التي أصابها التغير والتطور,كثيرة جداً,وحصرها عسير,ويكفي أن نعلم أننا نعيش حياة لم تتبدل,ولكن كل شيء فيها قد تغير؛ ومن المهم أن نفكر في أبعاد ذلك التغير,وتأثيره في إبعادنا عن أصولنا الحضارية والأخلاقية0ومهمة هذا الكتاب استهداف إضاءة ذلك وتعظيم الوعي به0
سادساً-العنف وإدارة القوة:
يمكن القول:إن الحضارة الحديثة,نزعت من الإنسان قلبه,فأصبح من غير مشاعر,وأضعفت لديه سلطان الضمير,والخوف من عقوبة الآخرة,وأحلت محله الأعداد الهائلة من القوانين والعقوبات والجند,ومع ذلك فأعمال العنف والجرائم المختلفة في تزايد مستمر0
لم يحدث ذلك من غير أساس,ولا من فراغ,وإنما كان ثمرة طبيعية لبعض النظريات العلمية والفلسفية والأخلاقية التي ركزَّت في وعي الإنسان الحديث حتمية الصراع في العالم والذي يحتم توفير الطاقة التي يحتاجها الانتصار في معارك,لانهاية لها0أوضح(داروين)في نظريته أن المجتمع الإنساني والطبيعة البيولوجية شيء واحد.وبناء عليه لابد أن يحكم هذا المجتمع الإنساني القوانين نفسها:قوانين المنافسة والصراع والعدوان؛وبالتالي لابد أن تتقاتل الأمم بعضها مع بعض من أجل البقاء,مثل الكائنات العضوية,وإلا فسوف تتعرض للفناء!0
وهذا(نيتشه)يرى في جملة ما يراه في مبادئ الأخلاق أن الخير كل ما يعلو في
الإنسان بشعور لقوة,وإرادة القوة,والقوة نفسها0أما الشر فهو كل ما يصدر عن الضعف0يرى أن الضعفاء العجز يجب أن يفنوا:هذا أول مبدأ من مبادئ حبنا للإنسانية