د-إذا عدنا بالنظر إلى الوراء,وتأملنا في النظرة القديمة للأشياء والماهيّات,وإلى طبيعة نظر المفكرين والفلاسفة إلى القضايا والمسائل المختلفة-وجدنا- على نحو واضح-اهتماماً بذات الشيء وماهيته0بعيداً عن علاقاته وظروفه؛فالخطاب الدعوي والإصلاحي-مثلاً-خطاب فردي,يركز على ما ينبغي على الناس أن يفعلوه,ولا يتفكر أصحابه في شروط الاستجابة له,ولا يتحدثون عن تلك الشروط فضلاً عن العمل على توفيرها0اليوم يشيع مصطلح(الإصلاح),وشيوعه تعبير عن أن اهتماماً جديداً,قد بدأ في التفكير في العلاقة الذات والموضوع,والإنسان والظروف التي يعيش فيها000
في الماضي كان التركيز ينصُّب على كل نظام من النُّظم الحياتية على حدة,دون الانتباه إلى ارتباطاته بالنظم الأخرى؛فالباحث في علم الاقتصاد,لا يحاول استشفاف العلاقة بين علم الاقتصاد أو النظام الاقتصادي وبين نظام السياسي أو الاجتماعي أو لأخلاقي000
اليوم هناك نظرة جديدة أيضاً؛فمجموعة النظم الحياتية,تشكل في النهاية المناخ
الحضاري الذي يغلَّ كل أنشطة الناس,وهي وإن تبدَّت منفصلة,إلا أنها على مستوى بُناها العميقة مترابطة ومتداخلة أكثر مما يُظنّ0
وهذه الرؤية الجديدة هي التي ساهمت في طرح مصطلح(المفكر)والذي من أهم خصائصه فَهْمُ طبائع الأشياء وجوهر العلاقات التي تربط بينهما,والمؤثرات التي تتبادلها؛مما يمكنه من تقديم رؤى كلية0
جرت في الماضي محاولات كثيرة من أجل الفصل بين الثوابت والمتحولات انطلاقاً من الاعتقاد أن كلاً منهما متمايز عن صاحبه إلى حد بعيد0واليوم يتجه كثيرون إلى الاشتغال بفهم العلاقة بين الثابت والمتغير,ويرون أن جوهر التطور,لا يقوم على التخلي عن الثابت,وإنما على توفير العلاقة الحية الخصبة التي تربط بينه وبين المتغير0