تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ب-كان الناس في الماضي حريصين على سمعتهم حرصاً شديداً,وكان يدفعهم إلى ذلك سهولة الإساءة إليها,من خلال الشائعات والمقولات المرسلة0وكان الناس سريعي التصديق لكل ما يقال0أما الذين يساء إليهم,فإنهم لا يستطيعون تكذيب مايقال عنهم؛فهم لا يملكون وسائل ذلك0أضف إلى هذا أن الحكم على مكانة المرء وعلمه وتوجهه,كان يتم وفق معايير جزئية جداً,فزلة واحدة من شخص كافية لتكوين محور لنقائص كثيرة,يتم توليدها وإلصاقها به0وكثير أولئك الذين غادروا قراهم فراراً من سوء الأحدوثة,وما تلوكه الألسنة000وكل ذلك كان بسبب سيادة التفكير النمطي والجزئي لدى الناس0

لم يكن هذا على صعيد العامة فحسب,بل ابتلي به كثير من الدوائر العلمية؛فقد كان من المألوف أن يدخل عالمان-يُعتقد أنهما ندّان-في مناظرة,ونتيجة لعدم معرفة أحدهما سؤال أو سؤالين,يحكم عليه شهود المناظرة بالهزيمة,وضآلة المعرفة0وهكذا يدخل عالماً,ويخرج وهو نصف عالم,أو نصف جاهل 000وله بعد ذلك أن يعيش مغموماً,وملفوفاً بمشاعر الإحباط,وقد تسوء الأمور ليلقى حتفه كمداً,كما مات سيبويه-كما زعموا-بسبب هزيمته في المسألة(الزنبورية),لأنه لم يجب على سؤال الكسائي(1)

[(1)التقي سيبويه شيخ النحاة مع الكسائي مؤسس المدرسة الكوفية في النحو بحضرة البرمكي،وسأل الكسائيُّ ,سيبويه:ماذا تقول العرب:كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من

الزنبور,فإذا هو هي أو فإذا هو إياها؟قال سيبويه:العرب تقول:فإذا هو هي0قال له الكسائي:أخطأت العرب تقول:فإذا هو هي,وتقول فإذا هو إياها0فخرج شيخ النحاة مكسور الخاطر,وخرج الكسائي منتصراً وإماماً في العربية!ويقولون:إن سيبويه مات كمداً بعد ذلك بمدة يسيرة من جراء هزيمته في تلك المناظرة0]

عصرنا والعيش في زمان الصعب · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عصرنا والعيش في زمان الصعبص ٣٨