تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أ-كان (الحاضر)وحده هو الذي يسيّر معظم حياة الناس؛ذلك لأن معرفتهم بالماضي محدودة,وهي ترتكز على نحو أساسي على ذكريات تجاربهم الشخصية أو تجارب ذويهم وأصدقائهم0أما المستقبل فلا يعنيهم كثيراً0وكان (الوقت)بالنسبة إلى معظم الناس,لا يعني شيئاً,فهم يأكلون وينامون ويمرحون عندما يشعرون بالرغبة في ذلك0وكان معظمهم يقضون أوقاتهم في أعمال بسيطة,لا تحتاج إلى تفكير عقلي,ودون أن يبدو عليهم أي شعور بالملل0

اليوم كل ذلك تغير,فالتاريخ-الذي هو سجل حياة الماضين-صار علماً مهماً-وعند بعض المؤرخين هو علم العلوم-؛إذ فيه جذور الحاضر,ولا فهم للحاضر من غير فهمه0كما أن الأمم تستخدم معطياته العامة على أنها أدوات في تربية أجيالها0

أما المستقبل؛فبعد أن كان غائباً عن إحساس أكثر الناس,صار هو البعد الأساسي,وصار ينُظر إلى الحاضر من خلاله,حيث يسود شعور قوي بأنه لا يمكن ضبط الحاضر,والاستفادة منه على نحو جيد إلا من خلال الضغط عليه بآمال مستقبلية؛بل عن هناك من المقولات ما يجعل التحقق الذاتي لكل واحد منا مرهوناً بحضور بُعد المستقبل في ذهنه ومشاعره,وذلك الحضور رهن بوجود ذات تتحرك نحوه؛لكن تلك الذات ليست جوهراً ثابتاً قد تحقق مسبقاً,ولكنها حركة فاعلة,وتحقق مستمر من خلال صيرورة يحكمها تشوُّفٌ وانتظار للمستقبل0

ولا نستطيع الذات مهما كانت عظيمة أن تحافظ على تماسكها إلا من خلال إمساكها ببُعد المستقبل0وذلك الإمساك,هو الذي يمكَّنها من استمرار التجاوز إلى ما هو أحسن وأفضل0وهكذا فقد صار الحاضر الذي كان كل شيء لا شيء,فهو موزَّع على الماضي والمستقبل0

عصرنا والعيش في زمان الصعب · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عصرنا والعيش في زمان الصعبص ٣٧