وربما شعرت البشرية أن ما لديها من ضعف في الحوافز على العمل,وما لديها من قصور اجتماعي,وسوء استغلال للسلطة والوظيفة-لا يعالج إلا من خلال تأسيس سلطة اجتماعية, يمارسها أفراد المجتمع بعضهم على بعض0وقد تعلّمت البشرية من تاريخها الطويل أن البديل عن ممارسة النقد وقبوله,سيكون أشكالاً من الانحباس في الحركة الاجتماعية,وأشكالاً من الفساد والتأسّن الفكري000والتي لا تقود من جهتها إلا إلى الانهيار الداخلي والتحلل الذاتي0
مهما كان الوعي لدينا عظيماً,ومهما كانت جهودنا كبيرة ومتميزة,فإنه ستظل هناك مسافة بين ما ننظّر له,وبين ما يتجسّد في واقعنا العملي,وذلك لأسباب موضوعية,يصعب في كثير من الأحيان تجاوزها0
الفجوة بين ما هو كائن,وما يجب أن يكون,هو التي تعطي المشروعية للنقد, وتُلزمنا أخلاقياً بالإصغاء لمن يمارسه0صحيح أن بعض الناس إذا أرى القسم المملوء من الكأس شكا من وجود القسم الفارغ0
وصحيح أن بعض الناس يتجاهل نصف عقولنا حين يحاول إبراز عيون الآخرين وستر محاسنهم؛إلا أنَّ الصحيح أيضاً أنَّ معظم إنجازاتنا ومواقفنا وتصرفاتنا,يظل مشوباً بشيء من النقص,ويظل بالتالي قابلاً للمراجعة والنقد والتصحيح0ويجب أن نعترف أن لدينا ميولاً فطرية إلى حُبّ المديح,ونفوراً غريزياً من النقد؛ولدى كثيرين منا أقدار من الثقة بالنفس,وتزكية العمل,مبالغ فيها,ولا تستند إلى معطيات حقيقة0
انطلاقاً من هذا وذاك,فإننا نرى أن تقبُّل النقد,والامتنان لمن ينقد,ينبغي أن يكون هو المبدأ الذي نحمل عليه أنفسنا,لكن هذا لا يحرم المرء من حقه في المجادلة عن نفسه,والدفاع عن موقفه,حيث إن هناك الكثير من النقد الذي يصدر عن اجتهاد خاطئ وعن رؤية غير واضحة0
ولعلّنا نلقي الضوء على حيثيات الموقف الذي ينبغي اتّخاذه من النقد في المفردات التالية: