تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحضارة الإسلامية كانت غنية في جميع جوانبها,لكن الذي كان يميزها عن غيرها ذلك الطابع الروحي الأخلاقي الذي كان يسربل كل الأنشطة الحضارية . والحقيقة أن الجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام,تنبع على نحو أساسي من طابع الاستقامة والنبل والتضحية والصفاء والتضامن الأهلي الذي كان يطبع الحياة العامة,وليس من التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران0

قد آن أن ندرك أنه لن يكون بإمكان أفضل النظم الاجتماعية,ولا في إمكان أقسى العقوبات الصارمة أن تقوَّم الاعوجاج,ولا أن تملأ الفراغ الناشئ من ذبول الروح وانحطاط القيم,فالعقوبات لا تنشئ مجتمعاً,لكنها تحميه0والنظم مهما كانت محكَمة ومتقَنة لن تحول دون تجاوز الإنسان لها,وتأويلها على نحوٍ يفرغها من جلَّ مضامينها؛وكل الحضارات المندثرة,تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدةً على نفسها بالعجز والعقم0

المنظومة الروحية والخلقية بعد هذا وذاك,هي التي تضبط سلوك الفرد من التقاليد000 ومن ثم فإن وظيفة(الخلق الكريم)أنْ يردع أصحابه عن استغلال مساحات(الفراغ القانوني)على وجه سيَّئ,يضر بالفرد نفسه أو مجتمعه0إن الحالة الروحية الخلقية,هي المرآة التي تنعكس عليها عقيدة المجتمع وظروفه وأوضاعه العامة,ومن ثم فكما أن الأخلاق السامية,تساعد المجتمع وظروفه الكثير منه منحه,فإن أزمات المجتمع الفكرية والسياسية والاقتصادية00,وما يتحصل منها من وعي المجتمع بذاته,تنعكس بصورة واضحة على أخلاق الناس,وتعيد ترتيب سلم القيم لديهم0

حين يصاب مجتمع بالشلل الأخلاقي,فإنه يفقد فاعليته العقلية والاجتماعية مع أن إمكاناته الحضارية قد تكون في نمو وتوسع,إلا أن إرادته الحضارية تكون مكبَّلة بالأهواء والشهوات والمطامع الشخصية,وهذه الحالة تستفحل اليوم في طول العالم وعرضه:المزيد من القوة وتعاظم القدرة,إلى جانب المزيد من ضعف الإرادة والمبادرة!

عصرنا والعيش في زمان الصعب · الصفحة ١٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عصرنا والعيش في زمان الصعبص ١٩١