إنّ تمايز الإنسان عن الشجر والحيوان وقدرته على الخروج عن الخطوط الغريزية التي تضمن سلامته,وتكيفه مع بيئته,ويوجب عليه أن يقوَّي داخله حتى يستطيع ضبط نزواته,كما أن عليه أن يُدعَّم جهازه النقدي الداخلي؛حتى يتمتع بالقدرة على التمييز بين الأشياء الحسنة والأشياء القبيحة,وحتى يرشَّد اختباراته بين تلك الأشياء,ويكون قادراً على تحمل مسؤولية تلك الاختيارات0
التحديات التي تواجه الأمم كالتحديات التي تواجه الأفراد هي غالباً داخلية. والأفراد العظماء كالأمم العظيمة حين يشتد عليهم الهجوم من الخارج,لا ينهمكون في أنشطة خارجية لصده,وإنما يرتدُّون إلى الداخل تنمية وتحصيناً وتنظيماً وتطهيراً0
وهذا هو القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة الهائلة بأبسط أسلوب:﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما تعملون محيط﴾[آل عمران:120]0ويقول:﴿يأيها الذين امنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة:105]0
إنّ كل الحلول في الرؤية الإسلامية,هي حلول تتم في الداخل أولاً,ثم يتم الانطلاق إلى الخارج0الأمم التي لم تجد الطريق الصحيح في الحياة,وتلك التي تعرفه ولا تجد الطاقة لدفع تكاليف السير فيه,تحاول دائماً أن تغطي على مشكلاتها الداخلية بالاتجاه إلى الخارج,تتسوَّل منه الحلول,أو تصرف عن طريقة الانتباه عن أزماتها الداخلية من خلال اختراع حرب مع قريب أو بعيد000ولا يختلف سلوك الأفراد أيضاً عن هذا المسلك,فحين تجف المنابع الداخلية للعيش الهانئ فإن كثيراً من الناس يسعون -بدل إعادة الحيوية إليها- إلى تنظيم البيئة من حولهم,ويضفون عليها المزيد من اللمعان,كما يندفعون إلى اللهو والأكل والشرب والجلوس أمام(التلفاز) ...
إنّ كل سياق إصلاحي لشؤون الأمة يجب أن يرتكز على سياق داخلي ذاتي, يتمثل في تحسين الخصائص,والأوضاع النفسية والسلوكية,وإلا فإن النتائج ستكون مخيبة للآمال0