العقل من خلال شكله ومضمونه ينتج شيئاً نسميه(العقلانية)وبما أن الثقافة تختلف بين أمة وأخرى في كثير من قيمها ومبادئها واهتمامها-فإن المتوقع من(العقلانية)أن تتسم بطابع النسبية بسبب الدور البالغ للثقافة في تكوينها؛ولذا فليس ثمة عقلانية تستحوذ على الحياد والإطلاق0ومن الملحوظ في التعبير القرآني استخدم كلمة(الحكمة) بعد كلمة(الكتاب)حيثما اجتمعا في الآية الواحدة,وهذا يشير إلى ما ذكرناه هنا,فلا بد للحكمة وللعقلانية من أن تؤطرا بإطار الكتاب(الوحي)حتى يكتسبا المرجعية العليا والمصداقية الحاسمة,ويمثلا أرضية مشتركة في تعايش الأفراد والأمم,وفي صياغة الخطوط العريضة لفهم الحياة والأحياء0
إنّ بُنانا الفكرية ليست مسوَّرة بأسوار,تصد عنها رياح التغيير العاتية,فهي-باعتبار ما-انعكاس لما يجدّ من نظريات وآراء علمية مبثوثة في جميع مجالات الحياة,كما أن توازنها يمكن أن يتعرض للاختلال بسبب مطالب الحياة الجديدة,والصعوبات البالغة التي تكتنف الحصول على مستوى مقبول من العيش الكريم0
إنّ من واجبنا دائماً أن نمتلك أعلى درجة من اليقظة والحذر حتى نحمي مضمون عقولنا من البرمجات الثقافية والبيئية الزائفة التي تحول دون استيعاب الواقع على الوجه الصحيح,والتي تشوش تنظيمنا لردود أفعالنا0والأهمية المتزايدة التي يكتسبها الجانب العقلي من ذواتنا تجعل آثار الأخطاء الصغيرة كبيرة, وعواقب فقد التوازن مدمرة0إن كثيراً من تطورنا العقلي يأتي من خلال(التعليم الرسمي)لكن ما أن يترك
كثيرون منا مقاعد المدرسة أو الجامعة حتى يتركوا عقولهم للتجمد,فلا يقومون بأية قراءة جادة,ولا يستكشفون موضوعات جديدة بعمق حقيقي خارج دائرة عملهم اليومي,ولا يفكرون بطريقة تحليلية,ولا يكتبون-على الأقل-بطريقة يختبرون بها قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بلغة منفتحة وواضحة ومختصرة,ويستسلمون عوضاً عن ذلك لقضاء الوقت في الجلوس لرؤية التلفاز!0