جهة المؤمنين وظاهره فيه العذاب من جهة المنافقين لقوله تعالى "يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ " (1)
- وهنا وكما نرى فقد استعدت كل الخلائق للحساب فلقد انقضى البعث وتغيرت كل سنن الكون الدنيوية وتحطمت كل البناية وتهدمت وأصبح الناس عرايا كما خلقهم الله أول مرة وأصبحوا فرادى كما خلقهم الله أول مرة .. وكل منهم أصبح في شأن يغنيه هوله عن شأن أخيه وشأن أمه وأبيه فلا ولد ولا والد ولا أخت ولا أخ ولا خليلة ولا صديق ولا حميم ولا شفيع إلا العمل الصالح والأيمان بوحدانية الله وإتباع صراطه الذي رسمه لنا ورسوله الذي أرسل ألينا. حتى أن الجنة فنراها وقد تزينت واستعدت لملاقاة ساكنيها لقوله تعالى " وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ " (2) والنار أيضا قد تسعرت ترصدا للكافرين لقوله تعالى "إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً , لِلْطَّاغِينَ مَآباً" (3) وقوله تعالى " وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ " (4) كما أنها ستسأل لقول تعالى" يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ " (5).
- كما أن وقودها سيكون الناس والحجارة: لقوله تعالى " وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " (6).
- كما وأن أهلها سيمعن في إذلالهم وتعذيبهم: فإذا ما تآكلت جلودهم بدلهم الله غيرها ليذوقوا العذاب.
- هنا وأمام هذا المشهد المريع والمفزع والخلائق كل في اتجاه وفي شغل من أمره فجأة: تنشق السماء بيسر شديد لمدى ضعفها ووهنها وإذا بعرش الرحمن يحمله ثمانية من الملائكة بينما يصطف الملائكة على أرجاء السماء في منظر ومشهد مهيب لا يمكن وصفه ولا من قبيل التقريب والإشارة ولكن فقط مصداقا لقوله تعالى في سورة الحاقة " وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ , وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ " (7) هنا قد بدأ يوم الحساب وكيف لا والحق سبحانه وتعالى يقول في سورة القيامة " فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ , وَخَسَفَ الْقَمَرُ , وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ , يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ , كَلَّا لَا وَزَرَ , إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ " (8) فالشمس والقمر مجموعان في هذا اليوم .. وبرق وومض النظر والرؤية قد أخذت بالألباب من الدهشة والحيرة مما كان يكذب المرء وها هو اليوم واقع أمامه فيقول كيف لي المفر فيكون الجواب كلا لا ملجأ تتحصن به فكل الخلائق مستقرون أمامه سبحانه وتعالى.
- ويذكر المولى يوم القيامة بيوم الفصل فيقول في سورة النبأ: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً , يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْوَاجاً , وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً , وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً , إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً , لِلْطَّاغِينَ مَآباً " (9) ويعيد المولى ذكره بتعبير قوي في سورة النازعات " يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ , تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ , قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ , أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ , يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ , أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً , قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ , فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ , فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ " (10) والآيات واضحة الدلالة على ما سبق تبيانه في وصف ذلك اليوم وقسوته أيضا قوله تعالى في سورة النمل "فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ" (11) أي صاغرين طائعين ويوصف هذا اليوم بأنه غير يسير على الكافرين لقوله تعالى في سورة المدثر " فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ , فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ , عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ " (12) كما أنه في هذا اليوم ينادى كل إنسان بإمامه
(1) الحديد الآية (13)
(2) التكوير الآية (13)
(3) النبأ الآية (22)
(4) التكوير الآية (12)
(5) ق الآية (30)
(6) البقرة الآية (24)
(7) الحاقة الآية (16)
(8) القيامة الآية (7: 12)
(9) النبأ الآية (17: 22)
(10) النازعات الآية (6: 14)
(11) سورة النمل الآية (87)
(12) سورة المدثر الآية (8)