ولما حضرت هارون الرشيد منيته قال " احملوني إلى قبري؛ فحملوه فاطلع فيه فأخذ يبكي حتى ابتلت لحيته .. ثم قال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. (1)
- وذكر القرطبي في التذكرة ما رواه البخاري عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) إن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه والآخر عن شماله فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول له , يا بني إني كنت عليك شفيقا ولك محبا ولكن مت على دين النصرانية فهو خير الأديان؛ والذي عن شماله على صفة أمه تقول له: يا بني إنه كانت بطني لك وعاء وثدي لك سقاء وفخذي لك وطاء ولكن مت على دين اليهود فهو خير الأديان .. وعند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن وذلك إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة وأستعملهم عليه ووكلهم به فيأتون المرء وهو على تلك الحال فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباب الميتين الباغين له النصح في دار الدنيا؛ كالأب والأم والأخت والصديق الحميم فيقول له: أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت يهوديا فهو الدين المقبول عند الله تعالى فإن انصرف عنهم وأبى جاءه آخرون وقالوا له: مت نصرانيا فإنه دين المسيح وقد نسخ الله به دين موسى ويذكر له عقائد كل ملة فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه وهو معنى قوله تعالى " رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً " (2) أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتا جاءته الرحمة وقيل؛ وهو جبريل عليه السلام فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيبتسم الميت لا محالة وكثيرا من يرى مبتسما في هذا المقام فرحا بالبشير الذي جاءه من الله تعالى فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل وهؤلاء أعدائك من الشياطين .. مت على الملة الحنفية والشريعة الجليلة فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك وهو قوله تعالى " وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ثم يقبض (3)
(1) التذكرة للقرطبي
(2) آل عمران: 8
(3) رواه البخاري