وساعة الاحتضار تجتمع فيها كل الحكم والعبر ويحار فيها كل الحكماء والفلاسفة. ففيها ينجلي عمل المرء ويبدو إما خيرا كان أم شرا منذ لحظة تكليفه وحتى لحظة منتهاه. واليوم لا دفاع جائز ولا مرافعة مقبولة " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (1) فدفاع الدنيا والذي كان مقبولا حتى ولو اعتراه ظلما وبهتانا وغمطا للحقيقة لمجرد كونه دفاعا مرتبا ومؤثرا على هيئة القضاء اليوم لا يقبل وكيف لا فهيئة القضاء أحادية – هو الله – لا حاجب هناك ولا مانع فالخيط مقطوع والوصل موجود!! (2) " اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً " (3) ومنذ هذه اللحظة ليس للمرء من إرادته شيئا إذ تركها مع دنيا الأغيار وها هو يدخل مدخل الحياة السرمدية ليس له على نفسه من سلطان. لا ينفع من حياته الأولى – دار الاختيار – غير عمله أو ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به أما عدم كل هذا فلا ربح ربح مهمابلغ ربحه ولا كسب كسب مهما بلغ كسبه بل خسر وغرم. خسر حتى ولو كان ذا مال جمع وأعد مادام لم ينفقه في تجارة مع الله " يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ , كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) بل خسر حتى ولو كان ذا بنين وولد طالما لم يكن بينهم ولد صالح يدعو له .. " يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ , إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (5) فالمال ليس لنا منه إلا ما أنفقنا لطاعة الله ووجهه والولد ليس لنا منه إلا من علمنا الصلاح والإيمان بوحدانية الله فيدعو الله لنا بصلاحه فيقبل منه والعلم أيضا ليس لنا منه إلا ما كان فيه نفع للناس غير حاض على الانشغال بغير ذكر الله لقوله تعالى " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " (6) وليس لنا أن نستأنس بغير ذكر الله فالذكر والزاد مهما كثر قليل والطريق مهما قرب بعيد والعاقبة والمآل شيء عظيم فهل لنا إذا من روحة وغدوة مع القهار الرحيم ..
(1) النحل 28
(2) تعبير للصوفية ويقصد بالخيط المقطوع " يعني لا واسطة أو همزة وصل .. والوصل موجود .. يعني أنه ما بين الخلق وخالقه دائما موصول دونما وصال أو واسطة.
(3) الإسراء: 14
(4) الهمزة: 3: 4
(5) الشعراء: 88: 89
(6) الذاريات: 56