فما زاد على أن قال الحمدلله. وبما أننا التزمنا بذكر سيرته كان لزاماً علينا أن نورد هذه القصة فإلى تفاصيلها:
روي أن عروة خرج إلى الوليد بن عبدالملك، حتى إذا كان بوادي القرى، فوجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة الآكلة (1)، ثم ترقى به الوجع، وقدم على الوليد وهو في محْمل، فقيل: ألا ندعوا لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، فبعث إليه الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم على أن لم ينشروها قتلته، فقال شأنكم فقالوا: اشرب المُرقد (2)، فقال: امضوا لشأنكم، ماكنت أظن أن خلقاً يشرب مايزيل عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا فاقطعوها.
وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له: نسقيك خمراً حتى لا تجد لها ألماً، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المرقد، قال: ما أحب أن اسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل قوم أنكرهم، فقال: ماهؤلاء؟ قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عَزَبَ معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي ...
فوضع المنشار على ركبته اليسرى فنشروها بالمنشار فما حرك عضواً عن عضو وصبر حتى فرغوا منها ثم حمسوها وهو يهلل ويكبر، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به، ثم غشي عليه، وهو في ذلك
(1) الأكلة: التهاب شديد يميت عضو المصاب.
(2) المرقد: شيء يُشرب فينوم من يشربه ويرقده ويذهب عقله.