تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للقوانين الوضعيّة، فتلك هي انتكاسة الفطرة البشريّة التي بعث رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - لتقويمها والهداية فيها حتّى يصير الكون خالصاً لله.

إنّه لا بدّ من خضوع الناس في أفعالهم الاختياريّة لله بتحكيم شريعته كما خضعت الكائنات لله تسخيراً حتّى يتمّ التناسق في الكون كلّه. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أفغير دينِ الله يبغونَ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يُرجعون﴾ [آل عمران: 83]. فعلام هذا الشتات في العقيدة والعبادة والعمل والحكم والله تعالى يقول: ﴿إنِ الحكمُ إلاّ لله أمر ألاَّ تعبدوا إلاَّ إيّاه﴾ [يوسف: 40].

والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية من أركان الإيمان، ومقتضيات توحيد الله عزّ وجلّ، وما كان للمؤمنين في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتّصفوا بالإيمان وهم لا يتحاكمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلّ أمر من الأمور، يستوي في هذا ما يتعلّق بالعبادات، وما يتعلّق بالمعاملات، فإنّ تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلّ شأن من شؤون الحياة مع التسليم والرضا من صميم الإيمان، ويكون هذا بعد مماته بتحكيم شريعته. قال تعالى: ﴿فلا وربِّكَ لا يُؤمِنونَ حتّى يحكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسِهم حرجاً ممَّا قضيتَ ويُسلِّموا تسليماً﴾ [النساء: 65].

ويأتي بيان هذه الحقيقة في صورة القسم المؤكّد بالنفي، فإنّ دخول "لا" النافية على القسم إذا كان جواب القسم منفيّاً يؤكّد نفي الجواب، والجواب هنا بنفي الإيمان ﴿لا يؤمنون﴾ كما يأتي شاملاً لأيّ شجار، فإنّ «ما» في قوله تعالى: ﴿فيما شَجَر بَيْنَهُم﴾ من صيغ العموم، فتشمل أيّ خلاف أو خصومة في أيّ شأن من الشؤون والتقييد بعدم الحرج يؤكّد ضرورة الرضا حتّى يكون التحاكم من صميم القلب ﴿ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت﴾ ويجب أن يكون الإنقياد لحكم الشريعة ظاهراً وباطناً، فيأتي التعبير بالتسليم مؤكّداً بالمصدر في قوله: ﴿ويسلّموا تسليماً﴾ فلا يثبت الإيمان لعبد حتّى يقع منه ذلك.

وإذا كان تحكيم الشريعة الإسلامية بهذه المثابة اتّباعاً لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ الوقوف عند ذلك هو سبيل المؤمنين، لأنّه دينهم، أمّا مخالفة ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ظهرت البراهين الدالّة على رسالته وسلوك طريق غير طريق المؤمنين وما هم عليه من دين الإسلام والعمل بأحكامه فهو موالاة للضلال وخروج عن الدين يصلى أصحابه نار الجحيم، يستوي في هذا أن تكون المخالفة عناداً واستكباراً، أو تكون جحوداً وإنكاراً، ما دام ذلك في أمر لا مجال للاجتهاد فيه، فإنّ المشاقّة في أصل معناها كونك في شقّ غير شقّ صاحبك، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ومن يُشاقِقِ الرسولَ من بعد ما تبيَّنَ له الهدى ويتَّبِع غَيرَ سبيلِ المؤمنينَ نولَّهِ ما تولَّى ونُصلِهِ جهنّمَ وساءَت مصيرا﴾ [النساء: 115].

ذلك لأنّ التشريع من خصائص الألوهيّة، فإقرار تشريع لسلطة بشريّة في فرد أو جماعة شرك بالله. وهذا ما يدلّ عليه تعطيل مصير المشاقّين في الآية السابقة بقوله تعالى: {إنّ

أقوال الأئمة والدعاة · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أقوال الأئمة والدعاةص ٥٠