ويجاب عن هذين الأمرين بأن الأربعين المرفوعة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي أيضاً تقديرية وليست نصاً ، مما يدل على أن العقوبة في الخمر تكون حولها وقريباً منها ، من غير تمسُّك بالعدد المذكور .
الثالث : أن قوله ( لم يسنّه ) أي لم يسّن الزيادة على الأربعين وهي الثمانون(1).، كما يدل عليه قوله في بعض الروايات : ( إنما هو شيء قلناه نحن ) (2) وقوله : ( إنما هو شيء جعلناه نحن ) (3) وقوله : ( فإنما هو شيء صنعناه ) (4) .
وقد يكون المراد أنه لم يسن الجلد بالسوط، فقد كان الشارب يجلد بالنعال والأردية(5) ، وهذا يُعَدُّ جمعاً بين الحديثين يُسوِّغ الأخذ بهما معاً (6).
الرابع : أن المراد أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصرِّح بعدد معين(7). وإنما اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بفعل الجلد أمام الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فَقَدَّروه بما ذُكِر في الأحاديث السابقة وهو أربعون، فلا تكون الأربعون نصاً من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل هي تقدير من الصحابة لفعله عليه الصلاة والسلام ، فلا تكون لازمة .
الخامس : أن قول علي - رضي الله عنه - عنه مشعر بأن عقوبة الخمر( حد غير مقدر )، وذلك أنه قال : ( ما كنت لأقيم حداً على أحد
(1) فتح الباري 12/70 - 73، زاد المعاد 5/48، السنن الكبرى للبيهقي 8/322.
(2) سنن أبي داود 4/626 .
(3) سنن ابن ماجه 2/858.
(4) السنن الكبرى للنسائي 6/249 ولكن بلفظ ( منعناه ) بالميم ، وأظنه تصحيفاً وذلك لأمرين : الأول : أن المعنى بالميم لا يستقيم . الثاني : أن الحافظ ابن حجر قد أورده في الفتح بلفظ ( صنعناه ) حيث قال : ( ووقع في رواية الشعبي ـ وهي رواية النسائي في الكبرى ـ " فإنما هو شيء صنعناه " ) فتح الباري 12/68 . وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي 3/153 وهو بلفظ ( لأنه شيء صنعناه ) .
(5) السنن الكبرى للبيهقي 8/322، فتح الباري 12/72.
(6) فتح الباري 12/72.
(7) نحو هذا في زاد المعاد 5/48.