الذي لا يقارب الأربعين لا يكون في العادة كافياً للردع والزجر ، فالمطلوب إذاً هو غلبة الظن بتحقُّق الكفاية في الردع والزجر لا العدد المحدد .
وقد أخذ بذلك الإمام البخاري فيما استنتجه عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ، حيث قال ابن حجر: ( الأول - أي من الأقوال في عقوبة الخمر- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل فيها حداً معلوماً ، بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به ) ثم قال ابن حجر بعد سياقه لبقية الأقوال : ( وأظن الأول رأي البخاري ، فإنه لم يُترجِم بالعدد أصلاً ، ولا أخرج هنا في العدد الصريح شيئاً مرفوعاً ) (1).
وهو قول ابن المنذر ، حيث قال في الأوسط : ( فالذي يجب أن يُفعل في السكران ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُضرب أقل ما قيل أنه ضُرب بحضرة النبي عليه ــ الصلاة و ــ السلام ويوقف على ما زاد عن ذلك . ) (2)
وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن القاضي عياض(3) وابن دقيق العيد(4) والنووي(5) القولَ بانعقاد الإجماع على وجوب الحد في الخمر مع الاختلاف في المقدار .(6)
ثم قال ابن حجر : ( .... إن الإجماع انعقد .... على وجوب
(1) فتح الباري 12/74- 75. هذا وإن طريقة سياق ابن حجر للقول الذي يأخذ به البخاري ليست واضحة جداً في أن ابن حجر قد فهم أن رأي البخاري هو الحد غير المقدر ، فيحتمل ذلك ، ويحتمل أن يكون قد فهم أن مراد البخاري هو أنها تعزير بدليل سياقه لقول ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنها تعزير، ولكنني أُرجِّح ـ بل أجزم ـ أنه يقصد الحد غير المقدر ، لأنه لو قال البخاري بالتعزير لاشتهر ذلك عنه ، ولما خفي على أهل العلم ، خاصة بالنسبة لرجل كالإمام البخاري .
(2) الأوسط لابن المنذر مخطوط ق 236/أ وهو الجزء الرابع .
(3) إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/540-541.
(4) إحكام الأحكام 4/135.
(5) شرح صحيح مسلم للنووي 11/217.
(6) فتح الباري 12/72 ، ثم قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره للقاضي عياض وابن دقيق العيد : ( ومن تبعهما ).