وقال أبو العباس رحمه الله: حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافرا ذكياً، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخاري جملة كفر ابن سينا وهو رجل معين منصف يتظاهر بالإسلام.
(وأما كلام المالكية) في هذا فهو أكثر من أن يحصر وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفاً، ومما ذكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه.
(وأما كلام الشافعية)، فقال صاحب الروضة رحمه الله: أن المسلم في الكلام إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر.
وقال أيضاً: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، وكل هذا دون ما نحن فيه.
وقال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس: إذا سألت فاسأل الله، وما معناه إن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابا مستقلا سماه (الإعلام بقواطع الإسلام) ذكر فيه أنواعا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين وغالبه لا يساوي عشير معشار ما نحن فيه.
وتمام الكلام في هذا أن يقال: الكلام هنا في مسألتين:
الأولى: أن يقال هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين ومع كثير من الأحياء والأموات والجن من التوجه إليهم ودعائهم لكشف الضر والنذر لهم لأجل ذلك هل هو الشرك الأكبر الذي فعله قوم نوح ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم.
فبعث الله الرسل وأنزل الكتب ينكر عليهم ذلك ويكفرهم ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله، أم هذا شرك أصغر وشرك المتقدمين غير هذا، فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر ولا ينكرونه إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه كابن إسماعيل وابن خالد مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة.
وتارة يقولون لا يكفر إلا من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وتارة يقولون أنه شرك أصغر وينسبونه لابن القيم في المدارج كما تقدم.
وتارة لا يذكرون شيئاً من ذلك بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم وغير ذلك من الأقاويل المضطربة.
وجواب هؤلاء كثير في الكتاب، والسنة، والإجماع.
ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر.
وأيضاً إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بداً من الإقرار به لوضوحه.
المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر ولكن لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول والقرآن واتبع اليهودية أو النصرانية أو غيرهما، وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات، وإلا المسألة الأولى قلَّ الجدال فيها ولله الحمد لما وقع من إقرار العلماء المشركين بها.
فاعلم أن تصور هذه المسألة تصوراً حسناً يكفي في إبطالها من غير دليل خاص لوجهين.