ومن تقريره رحمه الله في هذا الأصل ما ذكره في اقتضاء الصراط المستقيم) حيث قال: إن الدعاء المتضمن شركاء كدعاء غير الله أن يفعل أو دعائه أن يدعوا ونحو ذلك ليحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الزمن شبهة إلا في الأمور الحقيرة، وأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك، قال تعالى: ((قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، وقال: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) الآيات. فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضاً من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والسحاب والرياح وغير ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانيته وأنه خالق كل شئ وأن ما دون هذا بأن يكون خلقاً له أولى، إذ هو منفعل عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة.
وجماع ذلك أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير مّا كما قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) فتبين أنهم لا يملكون ذرة استقلالاً، ولا يشركونه في شئ من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. فمن لم يكن مالكاً ولا شريكاً ولا عوناً فقد انقطعت علاقته وأشرك في الألوهية بأن يدعي غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
فكما أن إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شئ ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسباباً لا يقدح في توحيد الإلهية ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنّا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه. وعلمه آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى أنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه.
فذكر رحمه الله آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: والقرآن عامته إنما هو تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وقال رحمه الله في موضع آخر: ونحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأحياء والأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، ولا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعانة ولا بغيرهما، كما لم يشرع السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول.