وأما ما ذكره في تفسير آية التحريم (6)، في أن وقاية الأهل من النار تتمثل في تعليمهم لأهليهم ومعرفة ما فرض عليهم(1)… إلخ، فإن اقتصار الحبشي في تفسيره للآية على مجرد المعرفة والتعلّم مخالف لما عليه السلف، حيث جاء عن ابن عباس في تفسيره للآية قوله: "اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، واؤمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار"(2)، ويقول أيضاً الطبري في تفسيره للآية الكريمة مبيناً أهمية العمل فيقول: "يقول تعالى ذكره يأيها الذين صدقوا الله ورسوله قوا أنفسكم، يقول علموا بعضكم بعضاً ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة، واعملوا بطاعة الله وقوله (وأهليكم ناراً) يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار"(3).
وأما معرفة الله ورسوله والنطق بالشهادة ولو لمرة واحدة في العمر، ورضاؤه بذلك اعتقاداً لا تجعل الإنسان مسلماً ومؤمناً كما ادعى الحبشي(4)، لأنه سبق الحديث في هذه الجزئية في التفريق بين الإيمان والإسلام(5) وأن كليهما لا بد فيه من العمل، والحبشي لم يتطرق في كلامه إلى العمل ولو من بعيد، فكلامه مردود عليه فإن المعرفة وحدها لا تكفي، والكلام وحده بدون العمل لا يكفي، وهذا هو منهج السلف، حيث جاء عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ [البقرة:177]، يقول: "تكلموا بكلام الإيمان وحققوه بالعمل"(6)، وقال الربيع بن أنس: وكان الحسن يقول: "الإيمان كلام، وحقيقته العمل. فإن لم يحقق القول بالعمل، لم ينفعه القول"(7).
(1) - انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص22.
(2) - التفسير العظيم لابن كثير 4/391.
(3) - جامع البيان للطبري 28/106.
(4) - انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص107.
(5) - انظر: البحث ص251-254.
(6) - الشريعة للآجري ص130.
(7) - المصدر السابق ص130.