ولا بد من معرفة أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أشد الناس تمسكاً بالكتاب والسنة، وهذا ما يوضحه الإمام البزار(1) بقوله: "وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفاً مع الكتاب والسنة لا يميله عنهما قول أحد كائناً من كان، ولا يراقب في الأخذ بمعلومها أحداً، ولا يخاف في ذلك أميراً ولا سلطاناً ولا سوطاً ولا سيفاً، ولا يرجع عنها لقول أحد وهو متمسك بالعروة الوثقى، واليد الطولى، وعامل بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء:59]، وبقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:10]، وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة المتابعة للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيها، والعمل بمقتضاها، ولهذا لا يرى في مسألة أقوال للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول"(2)، ولهذا قلّ من يسلم من أهل الفضل والدين في هذه الدنيا بلا امتحانات وابتلاءات تُظهر صدق عقيدته، ومدى اتباعه لمنهج السلف، وعدم الحياد عنه مهما يقع عليه من خصومة، ويبقى صامداً ثابتاً مصابراً لا يُداهن أحداً على حساب دينه، وهذا ما حصل مع ابن تيمية
(1) - الإمام البزار: الإمام عمر بن علي بن موسى بن الخليل البغدادي، الأرجي، الحنبلي، البزار (سراج الدين، أبو حفص) محدث، مؤرخ فقيه، ولد تقريباً سنة 688هـ، وأقام بدمشق، وتوفي بمنزلة حاجر قبل الوصول إلى الميقات في 21 ذي القعدة 749هـ، له تصانيف عديدة منها: الأعلام العلية في مناقب الإمام ابن تيمية. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 3/180، شذرات الذهب لابن عماد 6/163-164.
(2) - الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية للإمام مرعي بن يوسف الكرمي ص100-101، تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى 1406هـ-1986م.