أولاً: أن الإمام السبكي من المعاصرين لابن تيمية -رحمهما الله- ومن قواعد المحدثين في الجرح والتعديل أنه لا يؤخذ بجرح الأقران لبعضهم البعض وخاصة من ظهر ورعه وتقواه وكثر مزكوه، فيذكر الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته تحت عنوان (قاعدة في الجرح والتعديل) قوله: "الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة وإلا لو فتحنا هذا الباب، أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون"(1)؛ وفي المعنى نفسه يتحدث الإمام ابن عبد البر في جامع العلوم تحت باب عقده بعنوان (حكم العلماء بعضهم في بعض) فيقول: "قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحَّت عدالته وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح فيها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر"(2)، وهذا ما يؤكده الإمام اللكنوي "بأن كلمات المعاصر في حق المعاصر غير مقبولة وهو كما أشرنا إليه مقيدٌ بما إذا كانت بغير برهان ولا حجة، وكانت مبنية على التعصب والمنافرة، فإن لم يكن هذا ولا هذا فهي مقبولة بلا شبهة(3)، وينقل ابن
(1) - طبقات الشافعية للسبكي 2/9.
(2) - جامع بيان العلم لابن عبد البر 2/1093-1094.
(3) - الرفع والتكميل في الجرح والتعديل لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ص276، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط الثانية 1388هـ-1968م.