ثالثاً: وأما قول ابن تيمية -رحمه الله- بقدم نوع الحوادث، وحدوث آحادها، كان رداً على الفلاسفة الذين قالوا بقدم آحادها؛ ويعتبر هذا القول هو عين التسلسل الباطل الممتنع، حيث لم يفرق الفلاسفة بين الآحاد والنوع من المفعولات، بخلاف ما عليه السلف -ومنهم ابن تيمية- حيث قالوا بقدم النوع، لأن الله لم يزل مريداً، خلاقاً، فاعلاً، متكلماً إذا شاء ومتى شاء، ويتضح هذا القول لابن تيمية -رحمه الله- من خلال رده على الفلاسفة بقوله: "إنهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل، فلم يعرفوا ما دل عليه الكتاب والسنة، ولم يميزوا في المعقولات بين المشتبهات؛ وذلك أن العقل يفرق بين كون المتكلم متكلماً بشيء بعد شيء دائماً، وكون الفاعل يفعل شيئاً بعد شيء دائماً، وبين آحاد الفعل والكلام، فيقول: كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقاً بالفاعل وأن يكون مسبوقاً بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلاً وأبداً(1)، وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلاً بعد فعل فهذا من كمال الفاعل، فإذا كان الفاعل حياً، وقيل: إن الحياة مستلزمة الفعل والحركة كما قال ذلك أئمة أهل الحديث، كالبخاري والدارمي، وغيرهما، وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء وبما شاء، ونحو ذلك، كما قاله ابن المبارك وأحمد، وغيرهما من أئمة أهل الحديث والسنة -كان كونه متكلماً أو فاعلاً من لوازم حياته، وحياته لازمة له، فلم يزل متكلماً فعالاً، مع العلم أن الحي يتكلم ويفعل بمشيئته وقدرته، وأن ذلك يوجب وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل، فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق، ولا تقول: إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق له قدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولكن نقول: لم يزل الله عالماً قادراً مالكاً لا شبه له ولا كيف؛ فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق
(1) - كما قالت بذلك الفلاسفة.