تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن الرسل مجمعون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام كما أخبر بذلك القرآن الكريم(1).

العقول الصريحة تقر بأن الحوادث لا بد لها من محدث، فلو لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها، لم يكن في العالم شيء من الحوادث، فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع، فإنه إذا كان معلولها لازماً لها كان قديماً معها لم يتأخر عنها، فلا يكون لشيء من الحوادث سبب يقتضى حدوثه، فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث، وهذا باطل معلوم الفساد(2).

لا بد من العلم أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام، لا يقترن به، ولا يتراخى، مثلاً: إذا طَلْقتُ المرأة فطلقت، وأعتقتُ العبد فعتق، فوقوع الطلاق والعتق ليس مقارناً لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه، ولا هو أيضاً متراخٍ عنه، بل يكون عقبه متصلاً به، وقد يقال: هو معه ومفارق له، باعتبار أنه يكون عقبه متصل به، كما يقال: هو بعده، متأخر عنه، باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس:82]، فهو سبحانه يكوّن ما يشاء تكوينه، فإذا كونه كان عقب تكوينه متصلاً به، لا يكون مع تكوينه في الزمان، ولا يكون متراخياً عن تكوينه، بينهما فصلٌ في الزمان، بل يكون متصلاً بتكوينه كاتصال أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض(3).

(1) - انظر: مجموعة الفتاوى لابن تيمية 9/150.

(2) - المصدر السابق 9/150 بتصرف.

(3) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 9/150-151 بتصرف.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقد · الصفحة ٤٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الأحباش الهررية ـ عرض ونقدص ٤٨٥