… والثاني: تفسيق من قاتله إلا من تاب، ويقولون: إن طلحة، والزبير، وعائشة تابوا، وهذا مقتضى ما حكى عن جمهورهم كأبي الهذيل وأصحابه، وأبي الحسين وغيرهم"(1)، وهذا موافق لكلام الحبشي عندما وصف أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بالندم عما فعلت(2)، وبهذا يظهر مشاركة الحبشي لأهل الأهواء من معتزلة ورافضة وغيرهم في موقفهم من كرام الصحابة ومن ضمنهم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وكان الأولى بالحبشي بدل أن يترك العنان للسانه للخوض في عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه فيه أن يكف عن ذلك، وهذا منهج السلف الصالح في التعامل مع مثل هذه الأحداث، فقد جاء عن ابن تيمية -رحمه الله- قوله: "وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم"(3) أي بين صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والواجب احترام نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في حق نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وجوب احترامهن، فهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم"(4)، وهذا المنهج في التعامل مع الأحداث التي حصلت بين صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس بغريب ولا بمبتدع بين علماء أهل السنة والجماعة، فمثلاً يتحدث ابن حجر -رحمه الله- عما بدر من عائشة -رضي الله عنها- في الخروج لموقعة صفين والجمل، فيتحدث بكل أدب رفيع لئلا يخدش هيبة أهل البيت الكرام -رضي الله عنهم- لدى المسلمين فيقول: "والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير، وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان -رضي الله عنهم أجمعين-"(5)، وبعد هذا العرض يظهر لكل ذي لب البون الشاسع بين عرض المسألة من قِبل الحبشي، وبين عرض الإمام ابن حجر وتأدبه مع
(1) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 35/33.
(2) - انظر: صريح البيان للحبشي ص203-204.
(3) - الوصية الكبرى لابن تيمية ص42.
(4) - منهاج السنة لابن تيمية 4/369.
(5) - فتح الباري لابن حجر 7/108.