وأيضاً: "فقتال البغاة المذكورين في القرآن(1) فنوع ثالث غير هذا وهذا، فإن الله تعالى لم يأمر بقتال البغاة ابتداءً، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين بالإصلاح بينهما، وليس هذا حكم المرتدين ولا حكم الخوارج، والقتال يوم الجمل وصفين فيه نزاع. هل هو من باب قتال البغاة المأمور به في القرآن؟ أو هو قتال فتنة القاعد فيه خير من القائم، فالقاعدون من الصحابة وجمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بعدهم يقولون: هو قتال فتنة، ليس هو قتال البغاة المأمور به في القرآن، فإن الله لم يأمر بقتال المؤمنين البغاة ابتداءً لمجرد بغيهم، بل إنما أمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم"(2)، وبالتالي لا يمكن وصف معاوية -رضي الله عنه- بالباغي لترجيح جمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بأن القتال قتال فتنة لا قتال بغي، بل إن علماء السلف يرون أن شرط الفئة الباغية لم تتوفر في معاوية، فيقول ابن تيمية -رحمه الله- في ذلك: "وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم -كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم- لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم إن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت التي تبغي، وهؤلاء قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدءوا القتال"(3) أي جيش معاوية، ومع ذلك فإن علماء السلف يرون الأصوب ألا يكون قتال؛ وعلي -رضي الله عنه- أقرب من معاوية -رضي الله عنه- إلى الحق، يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علياً كان أقرب إلى الحق من
(1) - وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات:9].
(2) - منهاج السنة لابن تيمية 4/502.
(3) - المصدر السابق 4/391.