ذلك، … -والصحابة- لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين"(1)، ويبين الإمام القرطبي أن الذي وقع بين الصحابة الكرام لا يسقط من مرتبتهم ولا يقلل من قدرهم لأنه كان من باب الاجتهاد فيقول: "فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ﴿ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:35]، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك. وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب"(2)؛ وبهذا يتبين ما عليه علماء أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، مع اعتقادهم "أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"(3)، وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن علياً -رضي الله عنه- أقرب إلى الحق"(4).
(1) - فتح الباري لابن حجر 13/34.
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/299.
(3) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ح1065، 2/745-746.
(4) - الوصية الكبرى لابن تيمية ص42، انظر: منهاج السنة لابن تيمية 4/385، 448.