يظهر بوضوح لدى الحبشي أن التوسل لديه إنما يكون بالذوات، فيقول في تعليقه على حديث الضرير: "فبهذا الحديث بطل زعمهم أنه لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، لأن هذا الأعمى لم يكن حاضراً في المجلس حين توسل برسول الله"(1)، وهذا فهم خاطئ لأن توسل الصحابة إنما كان بالدعاء وليس بالذوات، وهذا ما يوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته -مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم- فليس هذا مشهوراً عند الصحابة والتابعين"(2) ولا يعرفه أحد من السلف الصالح وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه الحبشي.
وقبل مناقشة الأدلة التي استند إليها الحبشي في إجازة التوسل والاستغاثة بالأموات، لا بد من بيان أنواع التوسل المشروع وهي:
أولاً: التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا، ودليل مشروعية هذا التوسل قوله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف:180]، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك …"(3)، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبين إجازة التوسل بأسماء الله وصفاته(4).
(1) - الشرح القويم للحبشي ص380.
(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 1/222.
(3) - سبق تخريجه، انظر: ص117.
(4) - انظر: التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني ص32-35، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، ط الرابعة 1403هـ-1983م.