هذه الأقوال في التوسل والاستغاثة إنما هي من جنس الشرك لأن المتوسِل يعتقد أن المتوسَّل به ينفعه، ويرفع عنه الضر -وإن كان بعض المتصوفة يصرحون أن هذا التوسل للتبرك بالمتوسَّل به-، وفي هذا يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما قول القائل إذا عثر (يا جاه محمد)، (يا للست نفيسة)، أو (يا سيدي الشيخ فلان) أو نحو ذلك مما فيه استغاثته وسؤاله فهو من المحرمات وهو من جنس الشرك، فإن الميت سواء كان نبياً، أو غير نبي لا يُدعى ولا يسأل، ولا يستغاث به عند قبره، ولا مع البعد من قبره، بل هذا من جنس دين النصارى"(1)، ويقول أيضاً: "وأما الرجل إذا أصابته نائبة، أو خاف شيئاً فاستغاث بشيخه، يطلب تثبت قلبه من ذلك الواقع فهذا من الشرك"(2)، وهذا ما ذهب إليه الصنعاني في حديثه عمن يستغيث بالجيلاني والرفاعي وغيرهم فيقول: "وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم، ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر؛ وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام"(3).
استخدام مثل هذه الألفاظ في الدعاء إنما هو من باب الأعتداء فيه، فمثلاً: أن يقول الداعي (بحق فلان) وكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي، وهذا هو الأعتداء بعينه، وقد قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف:55] (4).
(1) - الجامع الفريد -كتاب الزيارة- لابن تيمية ص420.
(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 1/52.
(3) - تطهير الاعتقاد -عن أدران الألحاد- لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ص20، الناشر: مؤسسة النور، الرياض، ط الثانية 1389هـ.
(4) - انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز ص237.