مقدّران على العباد"(1).
... ولقد وافق الحبشي السلف عندما قرر أن الخير من أفعال العباد وهي بمحبة الله ورضاه وأن الشر من أفعال العباد بغير محبته ورضاه ونصه "فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشرّ من أعمال العباد بتقدير الله لا بمحبته ورضاه"(2)، حيث قال الإمام ابن القيم في بيان قوله تعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ [الإسراء:38]، "فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ويرضى به، فهو سبحانه يكرهه ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضى به، بل لا يليق ذلك بعبده فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ويرضاه، فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله"(3)؛ ويبين الإمام أبو حنيفة أن الطاعات كلها ما كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضاه ولا بأمره(4).
واتفق السلف أن كل كائن في هذا الوجود هو بمشيئة الله تعالى وإرادته رضيه أم لم يرضه، أمر به أم لم يأمر به، فالشرور والقبائح وإن كان لا يحبها ويبغضها وينهى عنها ويغضب من مرتكبها، إلا أنها بمشيئة الله تعالى وكونها بمشيئته لا يستلزم ذلك محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره(5).
المطلب الثاني: مسألة الجبر:
أولاً: تعريف الجبر لغةً واصطلاحاً:
لغة: يرجع الجبر في اللغة إلى ثلاثة أصول(6):
(1) - شرح الطحاوية لابن أبي العز ص420 -المتن.
(2) - بغية الطالب للحبشي ص27.
(3) - شفاء العليل لابن القيم ص493-494.
(4) - شرح الفقه الأكبر للقاري ص83 -المتن- بتصرف.
(5) - انظر: طريق الهجرتين لابن القيم ص155، مدارج السالكين لابن القيم 1/253-255.
(6) - شفاء العليل لابن القيم ص232.