والإمام ابن عبد البر يدعو إلى الإيمان بالقدر وهذا يظهر من خلال قوله: "قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر:49]، وقال: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير:29]، فليس لأحد مشيئة تنفذ، إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجزى الخلق فيما سبق من علم الله. والقدر سر الله لا يدرك بجدال، ولا يشفى منه مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار، الطيبين الأبرار، بالاستسلام والانقياد والإقرار، بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت:46]"(1)، وهذا الذي ذكره الإمام ابن عبد البر يوافقه الحبشي عندما يقول: "فلا يحدث في العالم شيء إلا بمشيئته، ولا يصيب العبد شيء من الخير أو الشر أو الصحة أو المرض أو الفقر أو الغنى أو غير ذلك إلا بمشيئة الله تعالى، ولا يخطئ العبدُ شيء قدّر الله وشاء أن يصيبه"(2)، وفي المعنى ذاته يقول أيضاً ابن عبد البر في (الاستذكار) في تعليقه على حديث تحاج آدم وموسى -عليهما السلام-: "وفي هذا الحديث دليل على أن الله عز وجل قد سبق في علمه ما يكون، وأنه في كتاب مسطور، جرى القلم فيه بما يكون إلى آخر الأبد، وأن العباد لا يعلمون إلا فيما قد علمه الله عز وجل وقضى به وقدّره"(3).
(1) - التمهيد لابن عبد البر 2/13-14.
(2) - الصراط المستقيم للحبشي ص54.
(3) - الاستذكار -الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار- لابن عبد البر 26/85، مراجعة وتدقيق وترقيم د. عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: مؤسسة الرسالة، دمشق، ط الأولى 1414هـ-1993م.