... يبين الحبشي المقصود بالقدر من خلال قوله: "قال بعض العلماء: القدر هو تدبير الأشياء على وجهٍ مطابق لعلم الله الأزلي، ومشيئته الأزلية، فيوجدها في الوقت الذي علم أنها تكون فيه فيدخل في ذلك عمل العبد الخير والشر باختياره ويدل عليه ما جاء في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جبريل حين سأله عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"(1) رواه مسلم، ومعناه: أن المخلوقات التي قدّرها الله تعالى وفيها الخير والشر وجدت بتقدير الله الأزلي، وأما تقدير الله الذي هو صفة ذاته فهو لا يوصف بالشر، فإرادة الله تعالى نافذةٌ في جميع مراداته على حسب علمه بها فما عَلِمَ كونه أراد كونه في الوقت الذي يكون فيه، وما علم أنه لا يكون لم يرد أن يكون.
فلا يحدث في العالم شيء إلا بمشيئته، ولا يصيب العبد شيء من الخير أو الشرَّ أو الصحة أو المرض أو الفقر أو الغنى أو غير ذلك إلا بمشيئة الله تعالى، ولا يخطئ العبدَ شيء قدّر الله وشاء أن يصيبه"(2).
ويرى الحبشي أنه لا بد من الإيمان بالقدر فيقول الحبشي: "والإيمان بالقدر خيره وشره"(3) ثم يبين المقصود بذلك فيقول: "ومعنى ذلك أن كل ما دخل في الوجود من خيرٍ وشرٍ هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله لا بمحبته ورضاه، قال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ [الأنفال:24]"(4).
(1) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة وبيان النبي -صلى الله عليه وسلم- له، ح50، 1/22.
(2) - الصراط المستقيم للحبشي ص53-54.
(3) - بغية الطالب للحبشي ص27.
(4) - المصدر السابق ص27.