أما اعتبار رفع الأيدي في الدعاء للسماء لا تعتبر دليلاً على وجود الله بذاته في السماء، واستدل الحبشي على ما يقول باتجاه المصلين للكعبة في الصلاة وأن الله مع ذلك ليس بذلك فيها، وإنما لأمره سبحانه وتعالى بذلك(1)، وهذا الاعتراض مردود على الحبشي لأن الإنسان إذا أراد أن يدعو الله توجه بقلبه إلى السماء ولم يلتفت يمنةً ولا يسرةً ، وهذا أمرٌ فطري مفطور عليه العباد(2).
أيضاً: فإن الإنسان يعلم أن الله لا يسكن الكعبة فلا يجوز المقارنة بين التوجه بالدعاء إلى الله، وبين التوجه بالصلاة إلى الكعبة فلا يوجد قاسم مشترك بينهما.
ولم يرد في نص شرعي أن الله يسكن في الكعبة، ولكن ورد العديد من النصوص الصحيحة التي تبين أن الله سبحانه وتعالى موجود في السماء بذاته فوق عرشه.
وأما بقية النصوص التي ذكرها الحبشي ليدلل بها على نفي علو الله سبحانه وتعالى لا تقوى أمام الأدلة الصريحة الصحيحة من الكتاب والسنة، أو أنه يقوم بتأويلها بناءً على توهمات يظنها في حق الله دون الاستناد إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، وبالتالي فإن نفي العلو الذاتي لله غير صحيحٍ مخالفٌ لما عليه السلف الصالح.
أما الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات العلو الذاتي لله سبحانه وتعالى كثيرة جداً، يقول صاحب (لوامع الأنوار): "وقد أكثر العلماء من التصنيف، وأجلبوا بخيلهم، ورجلهم من التأليف في ثبوت العلو والاستواء، ونبهوا على ذلك بالآيات والحديث وما حوى، فمنهم الراوي للأخبار بالأسانيد، ومنهم الحاذف لها، وأتى بكل لفظ مفيد، ومنهم المطول المسهب، ومنهم المختصر والمتوسط والمهذب"(3)، ومن النصوص الشرعية التي سيقت في إثبات علو الله الذاتي ما يلي:
قوله تعالى: ﴿ ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك:16، 17].
(1) - انظر: الصراط المستقيم للحبشي ص16، الشرح القويم للحبشي ص101.
(2) - انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز ص291.
(3) - لوامع الأنوار للسفاريني 1/195.