إن الأحباش اعترفوا بوصف الله سبحانه وتعالى بعلو القهر، وعلو القدر، واعتبروا ذلك كمالاً لا نقصاً وأنه من لوازم ذاته، فيقال لهم: أن ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو،فإذا أحد الأمرين لازم لكم ولا بد إما أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل وجه ذاتاً وقدراً، وإما أن تنفوا ذلك كله، فإنكم إنما نفيتم علو ذاته سبحانه بناء على لوازم التجسيم، وهو لازم فيما أثبتموه من وجهي العلو القهر والقدر(1).
لقد رد الإمام أحمد على الجهمية الذين قالوا بأن الله في كل مكان فقال لهم: "قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها عظمة الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم، وأجواف الخنازير والحشوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء"(2)، ثم يذكر العديد من النصوص القرآنية التي تثبت علوه سبحانه وتعالى، ويعلق عليها بقوله: "فهذا خبر الله أخبرنا أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل منه"(3).
وكذلك لما خلق الله العالم: فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجاً عن ذاته، والأول: باطل للاتفاق على ذلك، ولأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات، تعالى الله، فثبت كونه خارجاً عن ذاته فيكون منفصلاً فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه، غير معقول(4).
(1) - انظر: مختصر الصواعق لابن القيم 1/196-197، وانظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز ص289.
(2) - الرد على الجهمية لابن حنبل ص135.
(3) - المصدر السابق ص136.
(4) - انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز ص290.