يتضح مما سبق أن الحبشي قام بتأويل صفة المجيء بمجيء أمر الله تعالى وهذا التأويل رده السلف لفساده من وجوه:
"إن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف، بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار، فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز"(1).
وأيضاً: "إن هذا الذي ادعوا حذفه وإضماره يلزمهم فيه، كما لزمهم فيما أنكروه، فإنهم إذا قدروا (وجاء أمر ربك) و(يأتي أمره) و(يجيء أمره) و(ينزل أمره) فأمره هو كلامه، وهو حقيقة فكيف تجيء الصفة وتأتي دون موصوفها، وكيف الأمر ممن ليس هو فوق سمواته على عرشه"(2).
يقال للحبشي: إن ثبوت المجيء لله تعالى يجب إثباته له سبحانه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهي مجيء حقيقي يليق بالله سبحانه وتعالى، ومن قال بخلافه إنما قال بخلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف وليس على ما يدعيه دليل صحيح، بل هو من توهمات العقول(3).
استخدم الحبشي ألفاظاً لم ترد في الكتاب أو السنة لتأويل صفة المجيء، مثل: اعتقاده: أن صفة المجيء يلزم منها الحركة والانتقال والزوال وإفراغ مكان، وملء آخر… وهذه ألفاظ من توهمات الحبشي التي ليس لها أصل في الشرع، وإنما هي من صنع المتكلمين سلف الحبشي، وخالفوا بذلك ما عليه السلف الذين هم أسعد بالصواب والاتباع حيث قالوا: "لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه"(4)، لأن منهج السلف هو استخدام الألفاظ التي جاءت في الشرع، والسكوت والتوقف فيما لم يذكره الشرع إلا بعد معرفة المقصود به، لاحتمال هذه الألفاظ معاني باطلة.
(1) - مختصر الصواعق لابن القيم 2/339-340.
(2) - المصدر السابق 2/341.
(3) - انظر: شرح الواسطية لهراس ص45-46، شرح لمعة الاعتقاد للعثيمين ص27،52.
(4) - مختصر الصواعق لابن القيم 2/445.