أما استدلال الحبشي بنصوص موهمة، تخدم منهجه وفكرته مثل ما قاله البخاري على قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص:88]، فقال: "ملكه"(1)، فهذا مردود عليه، لأن الحبشي يؤول صفة الوجه بالكلية إلى غير حقيقتها -وهذا واضح من النصوص التي ذكرت فيما سبق-، والسلف استدلوا بهذه الآية على إثبات صفة الوجه لله تعالى(2)، بالإضافة إلى أن الصفة يثبتها السلف على الحقيقة، مع بيان لوازمها كما فعل الإمام البخاري بحيث أثبت صفة الوجه وبينَّ أن من لوازم الصفة إثبات الملك لله مثل قوله تعالى: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ [القمر:14]، أي بمرأى منا وبرعايتنا كما فسرها السلف(3)، مع إثبات صفة العين لله سبحانه وتعالى.
ويبطل قول الحبشي في أن الوجه يقصد به الذات من خلال قوله تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ [الرحمن:27]، حيث إنه أضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه فقال: ﴿ ذُو الْجَلَالِ ﴾ [الرحمن:27]، ولو كان من ذكر الوجه صلة ولم يكن صفة للذات لقال: ذي الجلال، فلما قال: ﴿ ذُو الْجَلَالِ ﴾ [الرحمن:27]، علمنا أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة للذات(4).
وتأويل الوجه بالذات أو الوجهة أو السلطان أو غيرها من هذه التأويلات الفاسدة، يعد هذا تكذيباً صريحاً لما أخبر الله به عن نفسه وأخبر به عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(5).
... ... ويقال أيضاً: "أنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه"(6).
(1) - سبق تخريجه، انظر: ص28.
(2) - انظر: الإبانة للأشعري ص35، مجموعة الفتاوى لابن تيمية 2/258، لوامع الأنوار للسفاريني 1/226، شرح الواسطية لهراس ص47-48.
(3) - انظر: جامع البيان للطبري 27/55-56، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/264.
(4) - لوامع الأنوار للسفاريني 1/226، انظر: مختصر الصواعق لابن القيم 2/378.
(5) - مختصر الصواعق لابن القيم 2/387.
(6) - المصدر السابق 1/388.