"إنه لا يقال لمن استولى على بلدة ولم يدخلها ولم يستقر فيها، بل بينه وبينها بعد كثير، إنه قد استوى عليها،فلا يقال:استوى أبو بكر على الشام،ولا استوى عمر على مصر والعراق…ولم يزل الشعراء يمدحون الملوك والخلفاء بالفتوحات ويتوسعون في نظمهم واستعارتهم فلم يسمع عن قديم منهم: جاهلي ولا إسلامي ولا محدث أنه مدح أحداً قط أنه استوى على البلد الفلاني الذي فتحه واستولى عليه فهذه دواوينهم وأشعارهم موجودة "(1).
ويرد على الحبشي الذي جعل من معاني الاستواء معنى يليق به مع نفي الاستواء عن الله، بما أجاب به الإمام ربيعة الرأي والإمام مالك وغيرهم عن قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه:5]، "قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولا يريد أن الاستواء معلوم في اللغة دون الآية، لأن السؤال عن الاستواء في الآية كما يستوي الناس"(2) حيث "أنه إذا كان معلوماً في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلوماً في القرآن"(3) وبالتالي "لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلوماً لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول، لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي إلا ما قد علم أصله، كما تقول: إن نكفر بالله، ونؤمن به ولا نعلم كيف هو"(4) وهنا يتبين خطأ ما ذهب إليه الحبشي.
(1) - مختصر الصواعق لابن القيم 2/361.
(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 5/92.
(3) - المصدر السابق 5/93.
(4) - المصدر نفسه 5/93.