تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما عن الأثر الفني بين الفهم والتذوق ممثلا في لوحة تصويرية، فارجع إلى اللوحة الثمينة التي رسمها جيرار لمدام ريكامييه، قف أمامها طويلا، وتأمل نظرة العينين في ذلك الوجه الساحر الآسر، إنها ومضة الأسى الدفين اللافح يشع من عيني امرأة؛ امرأة كانت وحيا ملهما لأقطاب الشعور والتصوير والأدب. إن جيرار لم يكن يعلم كل شيء عن قصة مدام ريكامييه، التي كان واقع حياتها أعجب من الخيال وأغرب من الأسطورة، هذا الواقع الذي لم يفهم كل الفهم سره العميق ولكنه تذوقه، حين أوحى التذوق إلى ريشته البارعة، أن تصور هذا الأسى اللافح في العينين الساحرتين.

لقد قدر لهذه المرأة الجميلة أن تتزوج من أبيها، الذي كان أحد الأثرياء في عصره، ولم تكن تعلم أن الزوج هو الأب، الذي انحدرت من صلبه وقضت كل أيام الحياة معه، وهي عذراء؛ أما هو فكان يعلم أنها ابنته، ولكن ظروفا قاهرة هي التي أملت عليه أن يقترن بها، وأن يعيش معها تحت سقف واحد، دون أن يعرف سره

1

الحقيقي غير أمها وغير الله، من هنا تعذبت لأن حياتها قد خلت من الرجل؛ الرجل الزوج، والرجل الآخر الذي حال بينها وبينه سياج من العفاف والطهر، في بيئة كم امتحنت صمودها بألوان من المغريات. لقد عاشت كل أيامها في أسر الحرمان؛ حرمان الروح والجسد.

هذا المعنى الأخير، استطاع جيرار الفنان أن يتذوقه وأن يستشفه، وأن يصبه صبا في نظرة العينين الحالمتين. إنه كما قلنا لم يكن «يفهم» الكثير من قصة تلك الحياة، ومع ذلك فقد استطاع أن ينفذ شعوره الملهم إلى ما وراء المجهول، وأن «يتذوق» الحياة في قصة، وأن يصورها في نظرة، وأن يتحدث بها إلى الناس في ألوان وظلال.

هذا التذوق الشعوري الكامل هو أساس الأداء النفسي، أو هو الطريق إليه في مختلف الفنون. لقد كان طريق شوبان إلى هذا الأداء الذي نعنيه في مقطوعة «البريلود»، وكان طريق مورياك إلى هذا الأداء نفسه في قصة «أم»، وقل مثل ذلك بالنسبة إلى جيرار في لوحة «مدام ريكامييه».

ونحن بعد هذا لا ننكر أثر «الفهم» كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، ولكن الذي نريد أن نقوله وقد سبق أن قلناه، هو أن الفن في جوهره ليس فهما للحياة، يقف بنا عند حد الرؤية المادية والإثارة العقلية، وإنما هو - إلى جانب هذا - حركة في الوجود الخارجي تعقبها هزة في الوجود الداخلي يعقبها انفعال؛ وكل هذه النقلات المترابطة تكون في مجموعها عملية التذوق، التي تمهد الطريق للأداء النفسي. ولو قدر للفنان أن يملك هذه الموهبة، فلا بد له من أن يملك القدرة على التعبير الصادق ليبلغ الهدف الأخير من ذلك الأداء.

إن الأداء النفسي لا يكمل معناه، إلا وهو قائم على دعامتين، هما: الصدق الشعوري والصدق الفني؛ متحدين في مجال صورة تعبيرية. أما الصدق الشعوري فهو ذلك التجاوب بين التجربة الحية وبين مصدر الإثارة، أو هو تلك الشرارة المشعة التي تندلع في الوجود الداخلي من التقاء تيارين: أحدهما نفسي متدفق من أعماق الشعور، والآخر حسي منطلق من آفاق الحياة؛ هذا هو الصدق الشعوري وميدانه الإحساس، أما الصدق الفني فميدانه التعبير، التعبير عن دوافع هذا الإحساس بحيث يستطيع الفنان أن يلبس تجاربه ذلك الثوب الملائم من فنية التعبير، أو يسكن مضامينه ذلك البناء المناسب من إيحائية الصور.

| مشكلة العلاقة بين مي وجبران

إذا وصفت العلاقة بين مي وجبران بأنها مشكلة، فأنا لا أعدو الواقع بالنسبة إلى الحقيقة التي عاشت في نفسي ردحا من الزمن، وكانت مفرق الطريق بيني وبين غيري من الدارسين؛ هل كانت علاقة مي بجبران لونا من الصلة الشعورية، التي تندرج تحت كلمة الحب حينا وكلمة العاطفة حينا آخر، وتتصل من قريب ومن بعيد بأنوثة المرأة ورجولة الرجل، إذا ما حددنا العاطفة الأنثوية نحو الطرف المقابل بأنها تفضيل وتمييز وإيثار؟ هذه هي المشكلة؛ المشكلة التي يتطلب بحثها الكثير من الوعي والكثير من الحذر والكثير من الأناة؛ لأن الباحث المسرع في الدراسة أشبه بالسائق المسرع في القيادة، كلاهما وهما في سبيل الوصول إلى هدفه المنشود في أقرب وقت قد يرتكب جريمة قتل، وفي خلال الطريق قد يكون المقتول بالنسبة إلى السائق رجلا وبالنسبة إلى الباحث حقيقة؛ والحقيقة التي قتلها الدارسون «المسرعون»، هي أن عاطفة «الأنوثة» في مي لم تتجه يوما إلى جبران!

كلمات في الأدب · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٩