تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هناك لحظة من تلك اللحظات النادرة التي نعنيها في قصة مورياك، وقبل أن نقف بك عند تلك اللحظة، نلخص لك مضمون القصة بصراعه النفسي، وهو مضمون العلاقة «الخالدة» بين كل أم وكل زوجة ابن، تحتدم في أعماقهما المعركة حول الرجل الذي تربطه بالأولى روابط البنوة وبالثانية صلات الزوجية. هذا الرجل الذي يقف بين «العدوتين» موقف الحائر المتردد، الذي تتعرض حياته في كل وقت لهبوب العواصف والأعاصير. الابن هنا، وهو فرنان كازيناف، رجل ضعيف الشخصية مسلوب الإرادة، يعطف على زوجته ولكنه لا يستطيع أن يجهر بهذا العطف؛ خوفا من تلك الأم التي بقيت له بعد وفاة أبيه، وطبعته منذ صباه الباكر بطابع الخضوع والرهبة؛ فهو لا يستطيع أن يجادل ولا أن يعترض ولا أن يقف في وجهها عندما تتعقد الأمور. والأم كازيناف امرأة تحب ابنها برغم قسوتها عليه، وما كانت قسوتها تلك إلا نتيجة لهذا الحب، الذي تريد به الأمومة أن تملك وأن تتحكم وأن تستأثر، ولا يشاركها في هذا اللون من حب التملك إنسان. والزوجة، وهي ماتيلد كازيناف، فتاة لقيت من ظلم الحماة وإهمال الزوج وقسوة الحياة، ما ينوء به الطوق ويفرغ معه الصبر؛ ومع ذلك فقد صبرت واحتملت ، ولقيت متاعب العيش بالرضا القانع والصبر الجميل.

وتمضي القصة في طريقها لتصور لك أدوار الصراع، الصراع الذي انتهى بموت الزوجة بعد حالة وضع، قوضت من الجسد المتهالك آخر حصن من حصون المقاومة، أو آخر معقل من معاقل الكفاح، ولقد ماتت وحيدة، لا همسة عطف من الابن، ولا نظرة رثاء من الأم، ولا موعد لقاء مع رحمة القدر ... وحين انتهى كل شيء، وسكتت كل حركة، ودفنت في تراب الموت كل خصومة، استطاع فرنان كازيناف أن يصعد إلى حجرة الشهيدة، وأن يحس لذع الندم وأن يوجه إلى أمه كلمة عتاب.

ونلتقي باللحظة التي يصور فيها مورياك موقف النادم أمام الجثة الهامدة؛ تلك اللحظة النادرة من لحظات «التذوق» لمشهد من مشاهد الحياة منعكسا على صفحة الشعور. لقد وقف فرنان أمام جثة الشهيدة، وكأنه يقف أمام قديس ليعترف له بما جنت يداه، بما اقترف من إثم، بما حمل من ذنوب؛ ترى من أغمض عينيه كل تلك الأعوام فلم ير هذا الجمال؟ ومن أغلق قلبه كل تلك السنين فلم ينعم بهذا الصفاء؟ وهذا الطهر، وهذا الصبر، وهذا الإيمان، وهذه القيم الإنسانية من حال بينه وبينها، حتى لكأنه يبصرها لأول مرة، ويستشعرها لأول مرة وينكشف له منها في لحظة عابرة، ما غاب عنه فيما مر من أيام دنياه؟ ترى هل يستطيع أن يفعل شيئا لهذا الجسد، الجسد الذي احترق في موقد العذاب، وتألم، وحمل من الشقاء فوق ما يحمل طوق الأحياء؟ شيئا ولو كان صغيرا ضئيلا لا قيمة له، يشعره بأنه قدم إليه في رحاب الموت ما عجز أن يقدمه في رحاب الحياة؟ إنه يريد الآن أن يعبر للجسد الهامد عن عطفه، عطفه الذي لم يستطع أن يعبر عنه في يوم من الأيام، ولقد قدر له أن يعبر عن هذا العطف، حين خطر «لذبابة» هائمة أن تستقر على الوجه الحزين؛ لقد انتفض كالمصعوق ليرد العدوان الأثيم عن تلك البقعة «الآمنة»، البقعة التي لن يسمح بعد الآن بأن «تقلق» أمنها هجمات المعتدين.

هذا هو الأثر الفني بين الفهم والتذوق ممثلا في قصة تحليلية، إن مورياك في هذه القصة كما قلنا لك، لا يطالعك بذلك «الفهم» الواسع، الذي يحيط بصور الحياة ليفرغها بعد ذلك في إطار، ولكنه يطالعك بذلك التذوق للحياة في لحظاتها النفسية، التي لا يفطن إليها غير أصحاب الوعي العميق؛ تلك اللقطة النادرة في جملة عابرة، اللقطة المتمثلة في تصوير الندم والشعور به، وفي الإيحاء بالذنب والتكفير عنه، وتلك الزاوية الفريدة التي اختارها ليركز فيها ذلك الإيحاء، بلمسات قليلة موجزة قوامها «الذبابة الهائمة»، التي راح يدفع عدوانها عن الوجه الحزين؛ كل هذه القيم التصويرية التي ارتفعت بالمشهد النفسي إلى آفاق متسامية في فن القصة، نستطيع أن نلخصها في معنى واحد هو المحور الرئيسي، الذي ندور حوله منذ البداية، ونعني به التذوق الشعوري الكامل للوجود الخارجي، حين يتحول إلى تجربة داخلية كاملة في النفس الإنسانية.

كلمات في الأدب · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في الأدبص ٨