إن صورة تلك العلاقة قد بدأت في نفسي، وهي داخل إطار من الشك المثير. أما مصدر هذا الشك فهو طبيعة من الأنثوية. لقد بدت لي هذه الطبيعة يوما وهي مغلفة بالانحراف ملفعة بالشذوذ، حتى استحالت في بوتقة الفكر إلى سؤال حائر ينتظر الجواب: هل كانت مي امرأة؟ امرأة ورثت كغيرها من النساء تلك التركة الخالدة عن الأم الأولى وهي حواء؟ إن المرأة الطبيعية في رأيي هي تلك التي يستيقظ في أعماقها الشعور بالرجل، سواء أكانت هذه اليقظة في صورة حب مضطرم، أم كانت في صورة عاطفة جياشة، أم كانت في صورة حس مشبوب؛ هذه هي المرأة الطبيعية. أما المرأة الشاذة فهي تلك التي «تنام» في أعماقها مثل هذه «اليقظة»، هي تلك التي تلهب دون أن تحس بين جنبيها وهج النار، هي تلك التي تثير ولا تثار؛ هي مي في حقيقتها العميقة التي لم «تتذوق» طعم الحب؛ لأنها فقدت «شهية » الأنوثة، وهذا هو الباب المغلق الذي يحتاج ليفتح على مصراعيه إلى طرق عنيف!
لقد تتبعت حياتها النفسية وهي بين الرجال، وهي في صالونها الأدبي في أيام الثلاثاء، وكان من بين أولئك الذين يحيطون بها رجال ممتازون؛ بعضهم لا تنقصه الرجولة، وبعضهم لا تنقصه الشهرة، وبعضهم لا تنقصه المكانة الأدبية والاجتماعية، وكل هذه الصفات جديرة بلفت نظر المرأة واجتذاب أعمق ما فيها من غرائز الأنوثة، تلك التي تنشد في الرجل وجها معينا من وجوه الإثارة. كانت تجتمع بهم، وتتحدث إليهم، ثم لا شيء وراء الحديث المألوف واللقاء المتكرر مما يتصل بالشعور الأنثوي والعاطفة الوجدانية. ولقد شغف بها بعضهم ذلك الشغف الذي يؤدي بالكرامة ويعصف بالوقار، ومع ذلك فقد ظل القلب العجيب على هموده، وخموده، وكأنه لا يعرف النبض ولا يعترف بالخفوق! هذا ولي الدين يكن يقول لها يوما في إحدى رسائله:
سيدتي ملكة الإلهام؛ ما أسكت هذا القلم عن مناجاتك إلا حرب الأيام، إنه منذ أيام كثيرة أسيرها الذي لا يرجى فكاكه. غير أني كنت أناجي روحك كلما بدت لعيني أشياء من محاسن هذا الوجود؛ كم وقفت أمام الأبيض المتوسط أرتجل العبرات، هذه أشعاري لا أهديها إليك، إني لأشفق أن أحييك بغير الابتسامات؛ وكم دخلت الروض أساجل قماريه، تلك أغان أرجعها لديك، إني لأخاف أن أغنيك بغير المسرات. والآن عندي قبلة هي أجمل زهرة في ربيع الأمل أضعها تحت قدميك، إن تقبليها تزيدي كرما وإن ترديها فقصاراي الامتثال. وبعد، فإني في انتظار بشائر رضاك، وطاعة لك وإخلاص!
أسلوب في الأدب والحب عند ولي الدين يكن، يلتقي مع أسلوب مماثل عند الرافعي. واستمع له هو الآخر وهو يوجه الخطاب بعد المقدمة الشعرية إلى مي فيقول:
يا نسمة في ضفاف النيل سارية
مسرى التحية من ناء إلى ناء
يا ليت رياك مست قلب هاجرتي
فتشعريه بمعنى رقة الماء
ليست تحب سوى ألا تحب فما
أعصى الدواء على من حبه دائي!
هذا، وإن النفس لتنازعني إليك، ولكن لم أتطفل على أحد من قبلك ولن أتطفل عليك مرتين، نقول الشمس والقمر والنجوم، فإذا أنت تريدين أن نراك من مرصد فلكي! وأي بليغ يراك ولا يعرف فيك فنا جديدا في حسن معانيه ومبانيه، ويعرفك ولا يرى فيك أبدع البديع فيما يعانيه من افتنانه؟ لله الحمد أن جعلنا نتلقى الماء ولم يجشمنا أن نصعد من أجله السماء!
أسلوبان كلاهما في الحب ذليل وفي الأدب مصنوع، وكم قلت لنفسي وأنا أستعرض ما فيهما من المواكب اللفظية، المواكب التي كانت تمر تحت شرفة مي، وهي تقدم تحية المقهور وولاء التابع وضراعة المبتهل: أتكون مي قد نظرت إلى الرجلين نظرة المرأة المدلة بكبرياء الأنوثة إلى كل حب ذليل؟ أم تكون قد نظرت إليهما كأديبين نظرة الأديبة المعتزة بشرف الثقافة إلى كل أدب غير خلاق؟ فرضان إذا وضعتهما تحت مجهر الفكر لم يظفر أحدهما بما ينشده الباحث من وسائل الإقناع. تريد أن تطمئن إلى كلا الفرضين فيقلقك هذا الخاطر الذي يثب من مكمنه ليعترض عليك: ألم يكن في حياة مي محب كريم على نفسه؟ محب لا تنحني بين شفتيه ظهور المعاني ولا تخر على قدميها الكلمات؟ ألم يكن في حياة مي أديب تثق بفنه؟ أديب لا تختنق في أدبه الأخيلة تحت ضغط الصنعة المسرفة، ولا تتحول الصور إلى جثث محنطة قد أطبقت عليها توابيت الألفاظ؟ يعترض هذا الخاطر فلا تملك إلا أن تعترف بالواقع، الواقع الذي يشير في حياة مي إلى وجود جبران ... وعندئذ تتبخر في الفضاء كل الظنون وتنهار تحت أقدام الفكر كل الفروض!